الجمعة، 6 مارس 2026

تصوري لمعركة بدر

 

تصوري للمعركة

وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الغزوة نورد هنا بعض التصورات التي نستنتجها من أحداث المعركة في غزوة بدر الكبرى :-

لا أشك أن المسلمين فد استفادوا من مسارعتهم إلى السيطرة على أرض المعركة في مساء يوم الخميس 16 رمضان [ أو 18 ، 20 رمضان حسب الروايات المختلفة ] قبل دخول كفار قريش إلى بدر في فجر يوم الجمعة 17 رمضان [ أو 19 رمضان ، 21 رمضان ] ، وفي اعتقادي أن هطول الامطار ربما ساهمت في تأخير أو تعطيل دخول كفار قريش إلى بدر في يوم الخميس 16 رمضان أو انها لم تسمح لهم بالنوم في ليلة المعركة عند العقنقل بجوار جبل كراش فدخلوا إلى أرض المعركة وهم مجهدين وعلى غير اتفاق .

وقد اختار المسلمون أفضل موقع على أرض المعركة ، يتمشى مع خطتهم الحربية التي تسمح لهم بصد كفار قريش رغم الفارق العددي بين الجيشين لصالح كفار قريش ، فمن خلال الروايات التي تنقلها كتب السيرة يتضح منها أن المسلمين قد سيطروا على أماكن المياه ، وكانت الشمس في أظهرهم بينما كانت الشمس في مواجهة كفار قريش ، ورغم أننا نعتقد أن طبيعة الأرض كانت في الجانبين أراضي سهلية وبالتالي فإن المسلمين لم يستفيدوا من هذا الجانب من مميزات المعركة كما يزعم البعض ، إلا إننا نعتقد أنه على الأقل كان موضع تواجد عريش الرسول كان في أرض مرتفعة ( رابية ) تسمح بالإشراف على المعركة ، كما تحمي الرسول من أي التفاف من قبل كفار قريش ، كما أنها تسمح له وفي حال الهزيمة من الانسحاب إلى المدينة .

ويبدو لنا أن أرض المعركة امتدت من جنوب مسجد العريش ، وكان الرسول في العريش في اعلى التلة وفي الجنوب الغربي من العريش كانت صفوف المسلمين وقد اتجهت انظارهم نحو الجنوب الغربي بينما قدم كفار قريش من العقنقل بجوار كراش كما ذكرنا من قبل ، وقد قدموا رأسًا في ما نعتقد من ذلك الموضع وحتى حطوا رحالهم في الجنوب الغربي من صفوف المسلمين وكانت ساحة المعركة في موضع النخيل في خيف بدر وتمتد من مسجد العريش وحتى حدود وادي يليل ( بالغرب من محطة ابن ناصر ) ، وامتدت المعركة أيضًا إلى المناطق الغربية حيث الكثبان الرملية وذلك بعد هجوم المسلمون الشامل على كفار قريش وانحلال وضع كفار قريش وتقهقرهم من ساحة المعركة ، ومحاولتهم الفرار من ذلك الموضع .

وكما قرأنا من قبل فقد أمر الرسول أن يكونوا في صفوف متلاحمة وأن يجثوا على ركابهم صفوفًا ، ويتترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة وأن ينبلوا بالسهام على قريش حتى يقتربوا منهم ( وبإمكاننا أن نذكر من بين رماة السهام هؤلاء والذين كانوا في اول الصفوف : سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جبير الأنصاري ، وخراش بن الصمة وأبو طلحة الأنصاري فقد كانوا من الرماة المعدودين من أصحاب الرسول ) ، وعند اقترابهم أن يخرجوا السيوف للقتال ، وقد كان لهذه الخطة العسكرية تأثيرها الكبير في انتصار المسلمين كما كان لها أثر كبير في التأثير النفسي على كفار قريش .

وتذكر الروايات أن عتبة بن ربيعة حاول أن يظهر شجاعته فدعى للمبارزة في أول المعركة وكانت نهاية هذه المبارزة مقتل أخيه شيبه وابنه الوليد في أرض المعركة ، وبالتالي فقد خسر كفار قريش قائد من قادتهم ، ويظهر أن مقتل عتبة بما يحمله من قيمة في بني عبد شمس ، كان له تأثيره المعنوي على بني عبد شمس من قريش ، كما أنه حمل بني مخزوم على الحرص في الدفاع عن أبي جهل أكثر من مساهمتهم مع بقية بطون من قريش في أرض المعركة ، ويظهر لنا ومن خلال بعض الروايات أن بني عبد شمس كانوا أكثر اندفاعًا في أرض المعركة ففقدوا كثير من تنظيمهم وخسروا بعض قادتهم في أول المعركة ، بينما على العكس من ذلك بني مخزوم الذين حالوا أن يحافظوا على تنظيمهم وحرصوا على الدفاع عن قائدهم ( أبو جهل ) ولكن حماس المسلمين وحرصهم على قتل فرعون الأمة قد منع من تحقيق ذلك .

يظهر لنا ومن خلال ما قرأناه سابقًا من أحداث المعركة أن كفار قريش وعندما دخلوا إلى بدر قد فوجئوا بالنظام الذي اتبعه الرسول في تعبئة المسلمين ، ورغم ذلك فقد ازداد حماسهم بعد أن لاحظوا تفوق قواتهم على جيش المسلمين من حيث العدد والعدة ، وقد حاولوا في عدة موجات كسر صفوف المسلمين وتعبئتهم ولكن بآت محاولاتهم بالفشل نتيجة اتباع المسلمين لأوامر الرسول في الثبات في مواقعهم وعدم التخلي عن صفوفهم .

ويتبين لي أنه ومع كل موجة كان كفار قريش يخسرون بعض الضحايا إما بسبب رمي السهام أو بالقتل بالسيف او الرماح من قبل المسلمين - وسوف نتناول هذه النقطة فيما بعد في اخر بحثنا هذا - وعلى ما يبدو أن هذا كان قد أثر في معنوية كفار قريش ، وبدأ البعض يشعر بأن المعركة في غير صالحهم وبدأ في الفرار من ارض المعركة .

ومهما يكن الأمر فيظهر أن الرسول – وربما بمساعدة بعض مستشارية كالحباب بن المنذر وسعد بن معاذ وغيرهم - قد تحين الفرصة المناسبة للانقضاض على كفار قريش بعد أن شاهد تضعضع صفوف كفار قريش وعلامات الهزيمة بادية عليهم فأمر المسلمين بالهجوم الشامل على كفار قريش ، فكان هذا الهجوم كاسحًا وقويًا، ويظهر أن هذا الهجوم قد أثر في قريش وفرق صفوفهم ، وقد حاولت بعض الفرق من قريش أن تدافع عن زعمائهم ومن ذلك بني مخزوم وكان عددهم كبير ( 180 ) يزيد عن نصف عدد المسلمين ، فحاول بني مخزوم أن يدافعوا عن أبو جهل بينما حرص المسلمون وبروح قوية من الإيمان ، من التخلص من زعماء الكفر ولذلك فقد باءت محاولة بني مخزوم بالفشل وقتل أبو جهل وقتل الكثير من المدافعين عنه ( 22 من بني مخزوم ) وأسر نصف هذا العدد ( 13 رجل من بني مخزوم ) تقريبًا .

ويبدو لي أن أحداث المعركة قد بدأت في صباح يوم الجمعة ( 17 أو 19 أو حتى 21 من رمضان ) ، واشتدت في الساعات الأولى من ذلك الصباح ، واعتقد أن هجوم المسلمين الشامل كان في العاشرة صباحًا او ما يقاربها ، وأن هزيمة المشركين تمت عند وقت زوال الشمس أي في ما بين الثانية عشر والواحدة ظهرًا ، وقد استمر طلب المشركين حتى مغيب الشمس ، وإن كانت رواية الواقدي تلمح إلى أن خروج الرسول كان في عصر ذلك اليوم ، ونحن نستبعد ذلك تمامًا ، ونؤيد تلك الرواية التي تذكر ان بقاء المسلمين في بدر استمر مدة ثلاثة أيام .

وتذكر روايات كتب السيرة النبوية أن المسلمين قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام أثناء المعركة قسم لحراسة الرسول وهم الأقسام الأقل ، ونعتقد أن جلهم من الأنصار ومن بينهم سعد بن معاذ ، وقسم خاض المعركة ، وقد انقسم هؤلاء بعد الانتصار إلى قسمين قسم قام بمطاردة كفار قريش ، والآخر قام بجمع المغانم .

ويظهر ان هناك بعض الروايات المحلية التي كانت تنتشر عبر العصور وتتحدث عن أحداث المعركة وتتعارض مع ما دونته كتب السيرة النبوية في احداث المعركة وتموضع جيش المسلمين وجيش كفار قريش ، وقد سجل بوركهارت هذه الرواية عند زيارته لبدر ، وتزعم هذه الرواية المحلية أن جيش المسلمين انقسم إلى قسمين في مواجهة كفار قريش قسم بقيادة الرسول وكان تموضعه بجوار سهل بدر وشهداء بدر وجيش ( قسم احتياطي ) بقيادة علي بن أبي طالب كان بجوار قوز علي ( دف علي ) ، بينما اتخذ كفار قريش مواقع فوق التل الواقع خلف مقبرة الشهداء ، وتذكر هذه الرواية أن المعركة كانت في جولتين قتل في الجولة الأولى شهداء المعركة من المسلمين وتعرض المسلمون فيها لضغط حتى اختبأ الرسول خلف صخرة كبيرة ، وقام الرسول بهجومه مرة ثانية وانتصر المسلمون بمعونة السماء عند نزول الملائكة ، وهذه الرواية وكما ذكرنا تتعارض ما نعرفه من كتب السيرة النبوية ، ورغم ذلك فإن لهذه الرواية صداها في بعض الدارسات الحديثة عن معركة بدر في وقتنا الحاضر ، مع جزمنا القاطع بعدم صحتها .

ويتضح لنا من الروايات التي وصلت إلينا قدرة الرسول على القيادة والتخطيط في أرض المعركة ، وتتحدث الروايات عن استشارة الرسول لأصحابه وقد شاهدنا الحباب بن المنذر ¢ وهو يقترح على الرسول اختيار الموضع المناسب لأرض المعركة وأخذ الرسول برأيه ، كما تحدثنا المصادر عن أخذ الرسول  ليلة المعركة برأي عاصم بن ثابت بالجثو ورمي كفار قريش بالسهام حتى اقترابهم وصدهم بالرماح ومقاتلتهم ، ولا تتحدث الروايات عن التعبئة التي اتخذها الرسول هل كانت من تخطيطه أم أنه اتبعها بناًءا على ما يقدمه بعض الملمين بالحرب وخاصة من الأنصار كالحباب بن المنذر وسعد بن معاذ أو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وغيرهم ، ولكن جميع الروايات تلمح إلى أن ذلك كان بتخطيط الرسول وبعد استشارته لأصحابه الكرام وإن كانت القيادة بيد الرسول ، ويتضح ذلك في نزول الرسول لتعديل الصفوف ، ثم تحينه للوقت المناسب للهجوم على كفار قريش ، والحقيقة أن هذه المعرفة بالأساليب الحربية من الرسول تفاجئنا بالنسبة لما نعرفه عن حياة الرسول بمكة فنحن لا نعلم أنه خاض أي معركة إلا ما ذكروه عن مشاركته في 18 من عمره في حرب الفجار ، هذا بالإضافة إلى الهدوء الذي كانت تنعم به قريش في مكة والذي جعلها نادرًا ما تخوض أي معركة ، ولكن لا يجب أن نعتمد على ذلك فقط فقد شاهدنا وطوال السيرة النبوية ما كان يتبعه الرسول من أعمال حربية وسياسية تدل على حكمة ومقدرة سياسية وعسكرية تدل على أن له رصيد من المعرفة العسكرية ومقدرة في التخطيط السياسي والحربي منذ ان كان بمكة المكرمة ، وإن كانت الروايات ربما لم تنقل لنا ذلك في حديثها عن تلك الفترة من حياة الرسول ، كما أننا لا ننسى أن قريش قد أنجبت العديد من القادة البارزين ويكفي ان نذكر في هذا المضمار خالد بن الوليد القائد العظيم في الفتوحات الإسلامية ، ولذلك فإن كل ما يذكر عن جهل قريش بالحرب والذي يتردد في بعض الروايات ( مثل قول سلمة بن سلامة بن وقش ، وحديث اليهود ) لا يمكن الركون له خاصة وأن الرسول يصف كفار قريش بأنهم : " أولئك الملأ ، لو رأيتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم " .

في اعتقادنا أن دور الرسول كان الأبرز في أحداث غزوة بدر فقد كان هو القائد وقد أظهرت هذه المعركة قدراته القيادية والعسكرية وطوال أحداث المعركة وما قبلها ، والروايات لا تتحدث فقط عن هذا الدور كقائد ومخطط ، بل إن علي بن أبي طالب والذي كان أحد أبطال المعركة يشهد للرسول أنه كان أقرب للعدو من أي شخص من الصحابة ( لما كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله فكان من أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه ) ([1]) ، وإن كنا لا نعلم مقدار صحة هذه الرواية من عدمه وهذا ليس من اختصاصنا، ولكن نعتقد ربما أن المقصود بهذه الرواية إن صحت فإنها ربما قد تشير إلى توجيه الرسول إلى أصحابه في أرض المعركة كقائد وليس كمحارب ، ودليلنا على ذلك أنه لم يرد أن الرسول قد خاض معركة في بدر ولا قتل رجلًا من قريش في ذلك اليوم ، كما أن الصحابة كانوا أحرص على حياة الرسول من أن يتعرض للخطر لأنه القائد وصاحب الرسالة ، وما تورده الروايات في تجهيز الركائب للرسول وما اقترحه سعد بن معاذ كل هذا يشير إلى ذلك ويؤيد ما نعتقده ويرجح ما نراه في هذا الشأن .

ونلحظ ومن الروايات التي توردها كتب السيرة أن الرسول كان في عريشه ومعه أبو بكر الصديق كالوزير والمدافع عن الرسول صلى الله عليه سلم حسبما تذكر الرواية التي ذكرناها عن علي بن أبي طالب ، وكانت هناك فرقة كانت تحرس الرسول والغالب أنها من الأنصار وعلى رأسهم سعد بن معاذ وربما الحباب بن المنذر ، أما بقية جيش المسلمون فقد كانوا يخوضون المعركة ، وقد انقسم هذا الجيش إلى قسمين بعد انتصار المسلمون -كما ذكرنا من قبل - فرقة طاردت كفار قريش ، وفرقة اهتمت بجمع الأسرى والغنائم .

ومن الأبطال الذي كان لهم دور في المعركة وحسب الروايات : علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وأبو دجانة ويظهر أنه أحد أبرز أبطال المعركة كما كان أحد الفرسان الأبطال في تاريخ السيرة النبوية ، وأبو أسيد الساعدي والزبير بن العوام وبلال بن رباح وعمار بن ياسر وصهيب الرومي وخبيب بن يساف وعاصم بن ثابت وطعيمة بن عدي وأبو اليسر كعب بن عمر الانصاري وأرضاهم .

ومن الروايات التي وصلت لنا عن بطولة أصحاب رسول الله في ذلك اليوم ما قدمه علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب ƒ في أرض المعركة ، والملاحظ ومن خلال الروايات التي وصلت إلينا أن هناك تلازم بين علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب أثناء القتال ويظهر هذا التلازم في عدد القتلى من كفار قريش والذي اشترك في قتلهم علي وحمزة ƒ ، كما تتحدث روايات أخرى عن تلازم علي بن أبي طالب وحمزة كاشتراكهما في قتل الفارس المدرع على أحد كثبان بدر والذي يرويها علي بن أبي طالب ¢ .

وتذكر بعض الروايات أن علي بن أبي طالب قد قتل 22 رجل من كفار قريش وإن كانت تختلف الروايات في نسبة قتل هؤلاء لعلي أو لغيره من الصحابة ، بينما تذكر رواية عبد الرحمن بن عوف أن أمية بن خلف قال في حق حمزة : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ، والحقيقة أن الرواة وخاصة في العصر العباسي قد بالغوا في عدد قتلى علي بن أبي طالب ¢ فنسبوا قتل كثير من كفار غزوة بدر إلى علي بن أبي طالب ¢ ، ومن الغريب أن الواقدي وفي قائمته بقتلى كفار قريش لا يذكر إلا أربعة رجال من كفار قريش لم يتحدث عن من قتلهم وجميعهم من بني عبد شمس ، وهذا الرقم عدد قليل في اعتقادنا بالنسبة لعدد قتلى كفار قريش ، وأعتقد أن السهام والرماح والسيوف قد حصدت الكثير من كفار قريش عند هجومهم الأول على المسلمين ، كما نعتقد أن عدد الأسرى كان أكبر في الساعات الأخيرة قبل انتهاء المعركة .

ونتساءل بحق إن كانت القائمة التي يدونها ابن إسحاق والواقدي عن قتلى وأسرى بطون كفار قريش ومساهمة بعض الصحابة في هذه الأعمال ، إن كانت هذه القائمة بإمكاناتها أن تكشف لنا بعض التفاصيل عن أحداث المعركة وشكل المواجهات التي حدثت في أرض المعركة ، فالروايات التي توردها كتب السيرة توضح ان تشكيل قريش كان يعتمد على تمايز البطون والذي نراه ظاهر في انسحاب بني عدي وبني زهرة قبل المعركة قبل أن يلحظ جيش المشركين ذلك ، كما نلاحظه في دفاع بني مخزوم عن أبي جهل في ارض المعركة .

فمثلا لو تأملنا قائمة ابن إسحاق في عدد قتلى كفار قريش على يد حمزة بن عبد المطلب فالرواية تذكر انه اشترك في قتل رجل من بني عبد شمس ( ولا يشمل هذا قتلى المبارزة ) وشارك في قتل رجل من بني نوفل كما اشترك في قتل اثنين من بني أسد ( ودائما ما تربط هذه الروايات مشاركة حمزة في قتل هؤلاء ، بعلي بن أبي طالب مما يدل على الملازمة بينهما في أرض المعركة كما ذكرنا من قبل ) بينما انفرد بقتل رجلين من بني مخزوم ، كما اشترك في قتل رجل من بني سهم ، فهل بإمكاننا أن نرصد هنا تحركات حمزة بن عبد المطلب في أرض المعركة وفي مواجهته لبطون كفار قريش ، والملاحظة في هذا الأمر أن حمزة قد انفرد بقتل رجلين من بني مخزوم فهل قد يدل هذا على أن جبهة حمزة في أول المعركة كانت في مواجهة بني مخزوم وقد استطاع ان يقتل رجلين منهم في أرض المعركة ولما تضعضع أمر بني مخزوم ، وبدأت لوائح النصر لصالح المسلمين بدأ حمزة يشارك أصحابه من المسلمين في قتل المشركين من بعض البطون الأخرى ؟ الحقيقة أننا لا نجزم بذلك قطعًا ولكن يجب أن نذكر هنا ان بعض الروايات تؤكد مشاركة علي وحمزة في مواجهة بني مخزوم الذين دافعوا عن ابي جهل ، وإن كانت هذه الرواية تؤكد ان ذلك حدث بعد استفحل القتل في كفار قريش وقد سبق ان تحدثنا عن اندفاع بني عبد شمس مقارنة ببني مخزوم.

إن بإمكاننا أن نستنتج ذلك من القائمة التي يعرضها ابن إسحاق والواقدي اعتمادًا على الروايات التي ذكرناه من قبل وعلى مساهمة بعض الصحابة في قتل بعض كفار قريش في أرض المعركة ، ولكن يجب أن نذكر هنا أننا إذا تتبعنا هذه القائمة وجدنا أيضًا مشاهد متقاربة لهذا الأمر لدى بعض الصحابة ومن أمثلة ذلك عمار بن ياسر الذي قتل رجل من بني عبد شمس ورجل من بني أسد وقتل رجلين من بني مخزوم ورجل من بني جمح فهل يدل هذا على تحرك عمار بن ياسر أثناء المعركة يتطابق مع تحركات حمزة بن عبد المطلب ¢ .

وقد تحدثنا من قبل عن التلازم في هذه القائمة وأبرز ما يرد في هذا التلازم ما نراه من تلازم ما بين علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب كما ذكرنا سابقًا ، وتورد قائمة الواقدي وقائمة ابن إسحاق مشاركة علي بن أبي طالب وحمزة في قتل بعض كفار قريش أو في الاختلاف في تحديد من قتل بعض رجال قريش ما بين علي وحمزة ونرى ذلك في قائمة ابن إسحاق والواقدي ولربما مرجح ذلك هو التلازم الذي كان بين علي بن أبي طالب وحمزة في ارض المعركة ، كما نرى أيضا مشاركة حمزة مع علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة ( في مواجهة بني عبد شمس ) ، ومشاركة حمزة وسعد بن أبي وقاص ( في مواجهة بني سهم ) ، وحمزة وثابت بن الجذع ( في مواجهة بني أسد ) .

وتذكر القائمة أن أبا اليسر قد قتل رجلين من بني سهم ، وأنه أسر العباس بن عبد المطالب فهل يدل هذا على أن العباس كان في صفوف بني سهم في أرض المعركة في ذلك اليوم .

ومهما يكن الأمر ، فالحقيقة التي نراها من هذه القوائم التي عرضها الواقدي وابن إسحاق أهم ما توضحه أن بين مخزوم وبني عبد شمس هما أساس جيش قريش في أرض المعركة في بدر ويدل على هذا عدد القتلى والأسرى من بني مخزوم وبني عبد شمس [ عدد القتلى من عبد شمس ( 14 ) في رواية الواقدي وابن إسحاق ، ومن بني مخزوم ( 18 ) في رواية ابن إسحاق ، و ( 17 ) في رواية الواقدي ] ، وكذلك ما ترويه الروايات أيضًا عن أحداث المعركة .

ويتبادر لنا سؤال لطالما أثار الاستفهام لدينا وهو ما عدد قتلى كفار قريش عند هجومهم الأول وعندما كأن المسلمين في وضع الدفاع ، إنك إن اطلعت على خبر قتلى كفار قريش في أرض المعركة فستستنتج أن جميع قتلى كفار قريش قد قتلوا عندما أمر الرسول المسلمين بالهجوم على كفار قريش ، ما عدا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة والذين قتلوا في المبارزة ، ومقتل الأسود بن عبد الأسد المخزومي على الحوض ، فلا يرد خبر يتحدث عن قتلى كفار قريش في هجومهم الأول وبالأسهم أو الرماح ، فهل بإمكاننا أن نستنتج أن القائمة التي يوردها الواقدي وابن إسحاق غير كاملة أو أنها لا تتحدث إلا عن عدد قتلى كفار قريش المعروفين في أرض المعركة ، أو حتى أنه نسب لبعض الصحابة كعلي بين أبي طالب بعض القتلى والذين قتلوا في أول المعركة وعند هجوم كفار قريش .

إن كل هذا محتمل ، ويزيد من اعتقادنا بذلك أن المصادر تتحدث عن أن عدد كفار قريش كانوا يزيدون عن تسعمائة رجل ، والقائمة التي يوردها الواقدي عن الأسرى والقتلى لا تتجاوز المئتين رجل ( 70 من القتلى و70 من الأسرى ) ، فهل من المنطقي أن يفر سبعمائة رجل من أرض المعركة وعدد المسلمون لا يتجاوزون نصف هذا العدد ( 313 رجل ) .

إن هذا في اعتقادنا من المحال فلا زال كفار قريش أكبر عددًا وعدة في أرض المعركة ولا نجد من مبرر لهذا الفرار ، ونحن نطرح هنا عدة احتمالات لتفسير هذا الأمر :-

1- أن عدد جيش كفار قريش قد يتفوق على عدد جيش المسلمين من حيث العدد ولكنه لا يبلغ هذا التفوق حد الضعف أو إلى ثلاثة أضعاف .

ويطرح البعض هذا الرأي ويرى أن عدد كفار قريش ربما لا يتجاوزون الستمائة رجل في أرض المعركة معتمدين على انسحاب بني عدي وبني زهرة ، والحقيقة أن الروايات تؤكد على عدد كفار قريش التسعمائة في أرض المعركة كما أنه من غير المنطقي أن يغامر كفار قريش بمهاجمة منطقة أقرب إلى المدينة بجيش مكون من ( ستمائة رجل ) بل إننا نعتقد على العكس من ذلك أن عدد ألف رجل من كفار قريش هو عدد قليل لقبيلة تمتلك التجارة والعدد والعدة والسلاح مع علاقات من التحالف مع القبائل الأخرى ، كما ان المواجهات التي حدثت بعد ذلك بين المسلمين وكفار قريش في أحد والخندق كانت تؤكد على أن المسلمين كانوا يواجهون قوات تفوقهم ثلاث مرات من حيث العدد ، وهذا منطقي في حساب التوازن بين المدينة ومكة وبين مدينة أفنتها الحرب ( المدينة ) ومدينة مستقرة تجاريًا وماديًا وسياسيًا ( مكة ) ([2]).

2- أن تكون السهام والرماح قد حصدت الكثير من كفار قريش في هجومهم الأول وبإعداد كبيرة وربما تبلغ المئات ،كما أن عدد كفار قريش وأسراهم أثناء المعركة كان أكبر مما تذكره قائمة الواقدي وابن اسحاق بأضعاف مضاعفة وما سجل في القائمة إنما هو عدد القتلى من كفار قريش ممن حفظته الذاكرة ، وهذا الاحتمال وارد كثيرًا وإن كانت الروايات لا تشير إليه إلا ما ذكره الزهري الذي يقول : كان الأسرى زيادة على سبعين والقتلى .

 3-إن كفار قريش قد فوجئوا بقدرات المسلمين العسكرية والتنظيمية ومن حماسهم الديني ، وزاد من ذلك مقتل رجالهم وقادتهم والتي حطمت معنوياتهم ، فكان ذلك سببًا للفرار الكبير من كفار قريش ممن لا يملكون القدرة ولا القيادة ، وهو احتمال وارد وقوي وهو الذي نرجحه .

وأيهم كان السبب في تفسير ذلك أو في ترجيح احتمال على أخر ، إلا أننا نعتقد وكل المؤمنين يعتقدون ودون جدال أن الله ¸ نصر رسوله ، وكان نزول الملائكة أحد الأسباب العظيمة في هذا النصر المؤزر الذي حدث في غزوة بدر الكبرى والتي كانت فرقانًا في تاريخ السيرة النبوية وكانت لحظة خالدة ، ويكفي بدرًا أن الله ¸ انزل فيها هذه الآية الآيات الكريم : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 123 - 126] . وصدق الله في محكم كتابه وهو خير الصادقين .



([1]) انظر : تاريخ الطبري ، ج 2 ، 22 ، دار الكتب العلمية .

([2]) كانت قريش تعتمد على التجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع ، فحرصت في سياستها الداخلية على الحافظ على العلاقات الداخلية بين قبائلها وبطونها المختلفة ، في نظام يحفظ التوازن بين هذه البطون ويحقق مصالحها ، وسعت من أجل أن تعقد تحالفات مع القبائل الأخرى لحماية قوافلها بين اليمن والشام ، وإن صحت المقولة عن سبب تسمية قريش باسم قريش بن بدر بن يخلد أو قريش بن مخلد بن غالب أو قريش بن الحارث بن يخلد لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب : قد جاء عير قريش ، قالوا : وكان قريش هذا دليل النضر في أسفارهم [ دليل بني كنانة في تجارتهم ] ، فإن صح ذلك فإن قريش يبدو انها كانت تبعث بقوافلها منذ القرن الثالث الميلادي وإن كنت المصادر تذكر روايات أخرى عن سبب تسمية قريش ، ولكن الذي لا شك فيه أن قريش قد برزت في زمن قصي بن كلاب في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي ، وطوال 150 سنة كانت قريش تعيش في نظام من التوازنات بين بطون القبيلة وكانت حريصة أن لا تخوض أي حرب ما عدا بعض المناوشات والحروب القليلة كحرب الفجار ، فلذلك فقد كانت مكة أحد أهم مدن الحجاز .

بينما اعتمدت يثرب ( المدينة ) في حياتها على الزراعة ، وكان الصراع على انتزاع الأراضي الخصبة في المدينة سببًا في الخلاف بين اليهود الذي قيل أنهم كانوا السكان الأصليين للمدينة من جهة والأوس والخزرج والذين نزحوا إلى المدينة مع الهجرات العربية ( الأزد ) من اليمن بعد رؤيا عمرو بن عامر مزيقيا عن سيل العرم كما تزعم الروايات الإخبارية أو بعد سيل العرم ( وقد اختلفوا في انهيار السد فقال البعض بعد سنة 400 م والبعض يرى أنه حدث بين عامي 542 وعام 570 م وهذا محال إن ربطناه بهجرة الأوس والخزرج والتي يحدد هجرتهم بأواخر القرن الرابع الميلادي بل والبعض يذكر أن هجرتهم عام 300م ، والبعض يذكر ان زمن عمرو بن عامر ميزيقياء في القرن الثالث أو الرابع الميلادي ) ، بل وما بين الأوس والخزرج وتحالفاتهم مع اليهود فيما بعد وبعد أن سيطر الأوس والخزرج على المدينة في النصف الثاني من القرن الخامس ( يرى البعض أن الأوس والخزرج سيطروا على المدينة من اليهود في عام 492م ) ، فكان وضع المدينة مقارنة بمكة غير مستتقر بسبب الحروب التي تجري بين القبائل وأخرها يوم بعاث وقد قتل في بعاث خلق من أشراف الاوس والخزرج وكبرائهم وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنوات ، ولذلك فقد كان التوازن بين المدينتين يميل لصالح مكة من الناحية الاقتصادية والعمرانية ومن ناحية عدد السكان ولذلك فسوف تجد أن عدد كفار قريش في غزوة بدر وأحد والخندق دائمًا ما يكون ثلاثة أضعاف عدد مقاتلي المدينة ، ولم يتم تحقيق التوازن إلا بعد الخندق في سنة 5 للهجرة بل وبعد فتح خيبر في سنة 7 ç بل ومالت الكفة للمدينة بعد فتح خيبر بشكل حاسم في الصراع بين المسلمين وكفار قريش بسبب الهجرة إلى المدينة ، وحتى من سكان مكة الذين أسلموا بعد صلح الحديبية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسجد العريش في كتب الرحلات

  مسجد العريش ( مسجد الغمامة ) يبدو لنا أن مسجد العريش هو من المساجد التي بناها ملوك مصر كما يذكر المقدسي ، ومن الغريب أن ابن جبير وابن بط...