الخميس، 5 مارس 2026

العدوة القصوى ( الشامل عن تاريخ بدر ج 2 )

 

العدوة القصوى

ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ، وهي الموضع الذي عسكر فيه كفار قريش في قدومهم إلى بدر ، فقد ذكر ابن هشام انه الرسول سأل غلامي قريش عن أخبار قريش قالا : هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ( والكثيب العقنقل ) ([1]) .

وقد سبق أن ذكرنا أنها تقع في جنوب بدر بجوار جبل كراش ، والبعض يستنتج أن العدوة القصوى هي المنطقة المجاورة لجبل الأصفر على اعتبار أن المقصود بالعدوتين هما عدوتي ( ضفتي ) وادي الخشبي .

يقول يوسف حامد الرديني ¬ : ( وهي شاطئ الوادي في المنجد ( القصوى : الغاية البعيدة وطرف الوادي ) قال الحلبي : هي جانب الوادي المرتفع ، فقد روى : قال " أخبرني عن قريش " قال : هم وراء الكثيب الذي يرى بالعدوة القصوى ؛ أي جانب الوادي المرتفع ، وهذه العدوة تبدأ من أعلى الوادي مباشرة للوادي ، في سفح أبرق الحنان ثم تحول جبال صغيرة بينها وبين الوادي لتعضيها عن الوادي حتى تكو في أقصى مكان عن الوادي في المنزل الذي نزله قريش ، ويسميها أهل بدر ( الدكاك ) ([2]) ، وهو اسم جاء من صفتها ، وقد جاءت بعض الروايات من بعض أهل بدر : أن العدوة القصوى كراش ، وهي تخرصات وتوهمات لا يوافقها الواقع لأن كراش يبعد عن بدر أكثر من 20 كيلو مترًا ، وكان منزل قريش قريبًا من ماء بدر ، كما جاء في السير ، خشى المسلمون أن يغلبوهم عليه ، فكان أن بادرهم الرسول على الوصول للماء ، وحال المطر بين قريش وبين السيطرة على الماء وإن كانت الرواية التي نقلها البعض هي رواية تواترها أجدادنا إلا أنها رواية غير صحيحة ولا سند لها ولا يوافقها الواقع وقد أشرنا لهذا ) ([3]).

وكما ذكرنا سابقًا فإن الأستاذ يوسف حامد ¬ يرى أن المقصود بالوادي هو وادي الخشبي وعدوتيه الشرقية حيث كان المسلمين والغربية بجوار جبل الأصفر حيث عسكر كفار قريش ، وقد ذكرنا من قبل ما وارده ابن هشام عن ابن إسحاق بأن المقصود بالعدوتين عدوتي وادي يليل ، ويقول جار الله الزمخشري ( يليل : موضع وقيل جبل واد بين بدر والعقنقل ) وهذا الوصف ينطبق مع الكثيب الذي يقع بجوار كراش ، وقد عرف العقنقل لدى الباحثين مثل عاتق البلادي بأنه الكثيب الذي يقع في الجنوب ، ويقول عاتق البلادي في مادة ( العقنقل ) وسألت شيخًا ببدر : أين الكثيب ؟ قال : ذاك ، وأشار إلى أكمة كالحثمة جنوبا من بدر رأي العين ) ([4]) ، ويوسف حامد ¬ نفسه يذكر هنا أن الروايات المتواترة أن العدوة القصوة بجوار كراش .

 ونحن نرى أنه من غير المنطقي أن لا يرى ولا يشعر كفار قريش وهم بجوار جبل الأصفر ، جموع المسلمين وهي تدخل بدرا وتنتقل من موضع إلى أخر ، فالمنطقة المحيطة بجبل الأصفر والتي يعسكر فيها كفار قريش منطقة مرتفع مشرفة على بدر ، كما أنه من غير المنطقي أن يسيطر المسلمون على مواقع المياه دون أن يتحرك كفار قريش ، بل ويجتهد الرسول وأصحابه في ردم الآبار بينما كفار قريش بالجوار وعند الأصفر ولا يبعد الأصفر إلا اثنان كيلو أو حتى أقل من ذلك ، ولم يأمر الرسول أصحابه بردم الآبار والنوم بعد ذلك ، إلا وهو يعلم أن كفار قريش بعيدين عنه بمسافة تمكنه من الاستعداد للمعركة في صباح اليوم التالي، ولذلك فنرجح أن معسكر كفار قريش بجوار العقنقل في جنوب بدر حيث يبعد 6 كيلو عن موقع تمركز المسلمين .

 أما ما يذكر عن تأثير المطر فأنا اتساءل ما هذا المطر الذي يمنع كفار قريش من أن يصلوا من عصر أو مغرب يوم الخميس إلا في صباح اليوم التالي ( يوم الجمعة ) والمسافة لا تبعد أكثر من نصف ساعة إن كانوا بجوار جبل الأصفر ؟ ، ولو نزل طوفان من السماء لما استغرق وصولهم إلى أرض المعركة كل هذا الوقت، ومع هذا فإن الروايات لا تتحدث إلا عن رشاش ! ، أما ما ذكر عن بعد كراش فإن كفار قريش كانوا بجوار العقنقل وهو لا يبعد إلا 6 كيلو متر عن بدر.

أما الدكتور أحمد النعماني ففي مادة " العدوة القصوى " يذكر أن المرجح أنها حول العقنقل وإن كانت بعض الروايات تقول إنها قرب يليل مما يلي العقنقل ، ويذكر الدكتور أحمد النعماني أن الروايات تتفاوت وكلها لم تحدد موقعها ولكن المجتهد يستطيع أن يجعلها إما في العقنقل أو قربه من الجنوب ، فإذا كان تسلسل الأحداث كما ذكره المؤرخون فإنه عندما جيء بالسقاء إليه كان في العدوة الدنيا في الطرف الشمالي من بدر وهي ملاصقة لريع الملص من الشرق وعندما سألهم عن قريش قالوا له : خلف هذا الكثيب الذي ترى ، كذلك ذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه سألهم عن قريش قالوا له : خلف هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، والكثيب العقنقل ، كذلك قال هذا ابن الأثير في الكمال في التاريخ بأنه عندما سألهم عن قريش قالوا : هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، ويواصل النعماني فيذكر أن ابن كثير في البداية والنهاية أكثر إيضاحًا حيث يقول : ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي هو يليل ، ويقول النعماني : معنى هذا أن كثيب العقنقل يراه من كان بالعدوة الدنيا ، إذن هم خلفه فيصدق قول من قال إنهم قرب العقنقل ، ويواصل الدكتور أحمد النعماني فيذكر عن الجزيري في الدرر المنظمة أن القوافل بعد هبوطها من ريع الأبرقين – المليص – تأخذ على جسر يهبط بهم على بدر ويفصل هذا الجسر بين المسلمين والمشركين في غزوة بدر ([5]).

وكما ترى فإن الدكتور النعماني يعتقد أن العقنقل هي المنطقة المجاورة لجبل الأصفر إلا أني أرى أن العقنقل يقع جنوب يليل ويتضح من نص ابن هشام في قوله : ( ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوى القصوى خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل ) فهذا نص واضح لا لبس فيه في تحديد موضع العقنقل وأن بين بدر والعقنقل وادي يليل ووادي يليل يمتد من الشرق إلى الغرب ويقع بئر بدر ( او بدر شمال يليل ) فبتالي فالعقنقل في جنوبه ، وسيرة ابن هشام من المصادر الأقرب إلى السيرة النبوية وما أورده الدكتور النعماني عن ابن الجوزي وابن كثير وابن الأثير فهي نصوص جميعها وردت في سيرة ابن هشام وابن إسحاق وعند الواقدي ، أما ما ذكره عن الجزيري عن " الجسر الطويل " فالجزيري متأخر وما ذكره الجزيري أورده العديد من الرحالة من بعده كالبكري والعياشي وابن الطيب الفاسي والورثيلاني وابن عبد السلام وغيرهم ، وهؤلاء الرحالة أيضًا تحدثوا عن مسجد العريش المزعوم الذي يقع تحت سفح جبل الطبول ولعل أن الحديث عن هذا الجسر الذي يفصل بين المسلمين والكفار يرتبط أيضًا بأكذوبة مسجد العريش المزعوم بجوار كثيب الحنان ، ناهيك عن وادي الخشبي لا يفصل بين المسلمين وكفار قريش كما يذكر الجزيري إلا إذا كانت أرض المعركة في المنطقة المعروفة باللبنة ، فامتداد وادي الخشبي في حدوده القصوى جنوبًا يصل إلى شرق مقبرة الشهداء ويصب في منطقة النخل مع الممر الواقع في شرق مقبرة الشهداء وحارة الأشراف من الشمال حيث يلتقي وادي الخشبي بوادي الصفراء ( يليل ) ، وأرض المعركة جنوب مجرى وادي الخشبي ، ولو كان عسكر كفار قريش بجوار جبل الأصفر فإنهم سيسلكون الطريق الواقع جنوب مقبرة الشهداء ثم يدخلون المنطقة الواقعة فيها أرض النخيل من الجنوب الغربي حيث سهل بدر وبالتالي فإن وادي الخشبي لا يفصل بين جيش المسلمين وكفار قريش .

وقد أوردنا في مادة ( العقنقل ) ما يؤكد أن العقنقل يقع في جنوب يليل ومن ذلك قول جار الله الزمخشري ( ت 538 هـ ) في حديثه عن يليل : ( يليل : موضع وقيل جبل وقيل واد بين بدر والعقنقل ) ([6]) ، وذكرنا في تلك المادة ما ذكره المحقق الشيخ عاتق البلادي عن العقنقل وموضعه .

أما ما ذكره النعماني عن مشاهدة الكثيب ( كثيب العقنقل ) من العدوة الدنيا ، فالعقنقل في جنوب شرق بدر يشاهد بالفعل من العدوة الدنيا بل أن كثيب العقنقل في جنوب بدر يلاحظ من العدوة الدنيا أوضح من موضع العقنقل الذي حدده الدكتور النعماني في حديثه عن مادة " العقنقل " فأمهات اشطين ، وأن نظرنا لها من العدوة الدنيا فإنها لا تكاد ترى .



([1]) سيرة ابن هشام ، المحقق : طه عبد الرءوف سعد ، ، شركة الطباعة الفنية المتحدة ، ج 2 ص 189 .

([2]) قال يوسف حامد في الهامش : ( الدكة : ما استوى من الرمل والأرض والجمع دكاك ، أو أدكاك ( المعجم الوسيط ) ( ص : 292 ) .

([3]) يوسف حامد الرديني ، قراءة في تاريخ بدر ، ص 32 ، 33 .

([4]) انظر : معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ، 212 .

([5]) انظر : المعجم الجغرافي لمحافظة بدر ، ج3 ص 46 ، 47 .

([6]) جار الله الزمخشري ، الجبال والأمكنة والمياه ، ص 334 ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العدوة القصوى ( الشامل عن تاريخ بدر ج 2 )

  العدوة القصوى ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى { إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّ...