الجمعة، 6 مارس 2026

من المهند القديمة ( الجمالة )

أ - الجمالة 

وقد ذكر الأستاذ فائز البدراني أن ممارسة مهنة الجمالة من المهن الرئيسية لسكان الجزيرة العربية ، ومما زاد من أهميتها وقوع المنطقة على طرق الحج وحاجة الحجاج إلى استئجار إبل الركوب ونقل المتاع والبضائع من أهالي المنطقة نفسها لأسباب أمنية ولمعرفتهم بطرق الصحراء ومواردها ([1]).

ويذكر الدكتور البدراني أنه بسبب سيطرة أبناء المنطقة على المنطقة الواقعة بين ميناء ينبع والمدينة المنورة فقد احتكروا نقل الحجاج والمؤن والبضائع الواردة من مصر إلى أهالي المدينة المنورة وأصبح ذلك العمل موردًا اقتصاديًا لعرب الطريق كما يذكر الأستاذ فائز البدراني ([2]) .

وقد تحدث بوركهارت عن أن المنطقة الواقعة بين المدينة ومكة أنها تتكون من عدد من الإبل يتراوح بين ستين جملًا ومائة جمل ويقودها بدو حرب ([3]) وذكر أنه اتفق مع بدوي من قبلية حرب في مكة المكرمة على استئجار اثنين من إبله لزيارة المدينة المنورة ([4])، وذكر أن البدو اعتادوا نقل المؤن والتموينات إلى المدينة المنورة ([5]) ، وأن بعض بدو حرب يعيشون في حي الجرول ويعملون في نقل التجارة بين مكة وجدة ([6]) ، ويذكر أن فيما وراء باب مكة وبالقرب من المدينة توجد أكواخ عدة يمر في وسطها الطريق المؤدي إلى مكة وهذه الأكواخ يسكنها الجمال الذين يتنقلون في عملهم ما بين مكة وجدة ([7]).

ويذكر الرحالة الهندي رفيع الدين النهروالي في رحلته سنة 1202 هـ بين مكة والمدينة المنورة أن الجمالة الذين حملوهم من مكة المكرمة والمدينة المنورة من سكان قرية الصفراء ، وأن الجمال بعضهم من الصفراء وبعضهم من بدر ، لذا اختلط خط سيرهم فالجمالون من بدر يمضون بالقوافل من الطريق الجديدة إلى بدر ومن ثم يأتون إلى الصفراء بينما الجمالون من الصفراء لا يذهبون إلى بدر وبينهما مسافة ثلاثة أو أربعة أميال ([8]) .

فقد كانت قبيلة حرب تسيطر على المنطقة الواقعة بين المدينة المنورة ومكة المكرمة ، وكان الحجاج والمسافرون يعتمدون على أفراد هذه القبيلة في المسير في المناطق التي تسيطر عليها قبيلة حرب ولهذا السبب فقد أصبحت هذه المهنة جزاء أساسيًا من مكونات الحياة الاقتصادية للسكان ومن أهم الموارد الاقتصادية لأبناء البادية الحجازية كما يذكر الأستاذ البدراني وأصبح للجمالين محطات تجارية على الطرق البرية بين المدينتين المقدستين وخاصة في موسم الحج ([9]).

وقد ارتبطت هذه المهنة بما يسمى بالمقوم أو مقوم الجمال وهو الشخص الذي يتعهد بالنقل وتنظيم الرحلة والإشراف عليها ويقوم بذلك مقابل مبلغ مالي يجرى الاتفاق عليه بتأجير الحجاج الركاب اللازمة لنقلهم ونقل أمتعتهم والتكفل بتزويدهم بالطعام والماء طوال الرحلة ([10])، ويذكر بوركهارت أن من مهام المقوم التعهد بتوفير الإبل والمؤن والتموينات المطلوبة للحج ، والمقوم الواحد يتولى أمر عدد من الحجاج يتردد بين عشرين حاجا وثلاثين حاجا يتعهد لهم بتوفير الخيام ويوفر على الحجاج متاعب الطريق ومشاقه كما يعد القهوة وتوفير الماء وإعداد الفطور والغداء للحجاج ، وذكر في سنة 184م أن أجر المقوم بما فيه توفير الطعام حوالي 150 دولارًا من دمشق إلى المدينة المنورة يضاف إليها 50 دولارًا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة يدفع المقوم من هذا المبلغ حوالي 60 دولارًا للجمّال الذي يقتاد الجمل أثناء السير في الليل تحاشيا لنورك الراكب أثناء السفر ، كما يتلقى المقوم علاوة على الأجر بعض الهدايا من الحجاج ([11]).

ويذكر الأستاذ البدراني ان مهنة المقوم قد تأثرت كثيرًا بدخول قوات محمد علي باشا للحجاز بسبب ما فرضته قواته على الأهالي من مصادرة جمالهم تارة أو إرغامهم على تأجيرها بأسعار زهيدة تارة أخرى وقد بلغت تلك المعاناة أوجدها بوصول خورشيد باشا إلى الحجاز سنة 1253 هـ حيث سخر المقومين لنقل الذخائر والمؤن إلى جيشه المنتشر وسط الجزيرة العربية ومنعهم من نقل الحجاج والبضائع بين الحرمين وهي المهنة التي تمثل لهم موردًا اقتصاديًا أساسيًا ([12])، وقد سبق أن أورد التقرير الذي نقله الأستاذ البدراني في سنة 1253 هـ عن عدد من المقومين من ضمن قبائل المنطقة بما فيهم قبيلة صبح ([13]) ، ولعل هذا الأعمال كانت من الأسباب التي دفعت أبناء المنطقة للثورة على هذه القوات في تلك الفترة .

ومن المهن المرتبطة بهذه المهنة المخرج وقد ذكرها الأستاذ فائز البدراني وذكر أن المخرج حسبما يذكر بيرتون هو الدلال الذي يقوم بتأجير الجمال أي الوسيط بين المسافرين وبين المقومين ، ويتضح أهمية المخرج في الوثائق التي نقلها الأستاذ فائز البدراني وفي اهتمام حكام مكة بتعيين المخرج المناسب للرحلات ويظهر من تلك الوثائق أن من مهامه إحضار الجمال اللازمة لتوجيه القوافل واختيار الجمالة الثقاة المعتمدين ([14]).

 وقد انتفع بعض من أهلي بدر بنقل البضائع من الجار ثم من ينبع إلى المدينة وكان بعض تجار بدر وكيلًا لبعض تجار المدينة فكانوا ينقلون البضائع الوارد لهم عن طريق البريكة ( الجار ) ويضعونها في مخازن في البريكة ثم يحملونها على الجمال إلى بدر ويضعونها فيم خازن خاصة ببدر ثم يبعثونها إلى أصحابها بالمينة المنورة بعد أن يؤمنون طريق وصولها من قطاع الطرق ([15]).

كما كان بين بدر وينبع رد وهي الجمالة الذين كانوا ينقلون البضائع إلى سوق بدر من ينبع ثم تنقل إلى المدينة المنورة وكان يستفيد أهل بدر بهذا العمل ويبدو أن حركة الجمالة نشيطة في بدر فقد ذكر الوالد ¬ أنهم وعندما كانوا صغارًا وعندما كانوا يسكنون تحت رمل البرقاء ( أبرق الحنان ) كانوا يسمعون في ليلة الجمعة وليلة السبت وحتى الهزيع الأخير من الليل خطوات الجمال وهمهمة الرجال القادمين أو الرحالين من بدر أو إليها من هباط الخبت أو الجمالة الذي يحضرون البضائع لتجار سوق بدر من ينبع ، وكانت قوافل الجمالة تقيم في بعض حواري بدر أو في محطة الركب فقد كانت محطة الركب هي المحل الذي ينيخ به الحجاج جمالهم وركابهم ويقال لهم القفل أو القافلة وكان موضع محطة الركب من سوق بدر القديم وحتى الطرفاء في مسيل الوادي ، كما أن قوافل الجمال تقدم من شمال بدر ومن جهة الخبت ومن جهة الشرق من المدينة المنورة فقد كانت بدر في حركة دائمة للجمالة ولذلك فقد امتهن بعض أبناء بدر بهذه المهنة ، وقد أورد الوالد مفرج السيد في حديثه عن الأوائل بعض أوائل الجمالة ( الجمالين ) المعروفين في بدر ([16]).

وقد ظلت مهنة الجمالة من المهن المهمة في المنطقة وضلت تلعب الدور الأهم في نقل الحجاج حتى ظهرت السيارة وتوجهت الحكومة السعودية إلى تحويل نقل الحجاج إلى السيارات بدلًا من الإبل وذلك ابتداء من عام 1360 هـ ( 1940م ) ([17]).



([1]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العام في أودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 469 .

([2]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العام في أودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 469 .

([3]) انظر : بوركهارت ، ترحال في الجزيرة العربية ، ج 1 ص  49 .

([4]) انظر : بوركهارت ، ترحال في الجزيرة العربية ، ج 2 ص  58 .

([5]) انظر : بوركهارت ، ترحال في الجزيرة العربية ، ج 2 ص  94 .

([6]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العامة في اودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 470 .

([7]) انظر : بوركهارت ، ترحال في الجزيرة العربية ، ج 1 ص 36 .

([8]) رفيع الدين المراد آبادي ، الرحلة الهندية إلى الجزيرة العربية ، ترجمة : سمير عبد الحميد إبراهيم  ، ط 1 ( 2004 ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ) ، ص 102.

([9]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 470 .

([10]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 471 .

([11]) انظر : بوركهارت ، ترحال في الجزيرة العربية ، ج 2 ص 10 .

([12]) انظر : فائز البدراني ، الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع ، ص 470 .

([13]) فايز البدراني ، فصول من تاريخ قبيلة حرب ج1 ، ص 447-449 .

([14]) فايز البدراني ، فصول من تاريخ قبيلة حرب ج1 ، ص 472 .

([15]) من بحث للوالد مفرج السيد رحمه الله عن مآثر بدر .

([16]) أخذنا بعض هذه المعلومات من بحوث شتى من كتب الوالد مفرج السيد رحمه الله  .

([17]) فايز البدراني ، فصول من تاريخ قبيلة حرب ج1 ، ص 373 .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مسجد العريش في كتب الرحلات

  مسجد العريش ( مسجد الغمامة ) يبدو لنا أن مسجد العريش هو من المساجد التي بناها ملوك مصر كما يذكر المقدسي ، ومن الغريب أن ابن جبير وابن بط...