إن أول من أشار إلى مساجد بدر هو
المقدسي فقد ذكر أن ببني مساجد بناها ملوك مصر ، ومع الأسف لم يتحدث المقدسي عن هذه المساجد كما لم يوضح من هؤلاء الملوك
هل هم ملوك الدولة الإخشيدية أم الطولونية أم الفاطمية .
وقد ذكر صاحب الرحلة الناصرية
الكبرى ( 1196 هـ ) أن أول من بنى مسجد
العريش هو أبو بكر الصديق ، يقول ( وأول من بنى هذا المسجد على ما قيل : أبو بكر
الصديق ، ثم بُني بعده مرارا وآخر من بناه بعض ملوك مصر ) ، وعلى الرغم أنه لم
يوضح المصدر الذي أخذ منه هذه المعلومة ، إلا أن حديثه عن ملوك مصر وبناءهم للمسجد
يذكرنا بما قاله المقدسي عن دور ملوك مصر في بناء مساجد بدر .
ومن الغريب وكما ذكرنا سابقًا أن ابن جبير لم يذكر في
رحلته مسجد العريش وإنما تحدث عن موضع العريش وذكر أنه ( يتصل بسفح جبل الطبول المذكور وموضع الوقيعة أمامه وعند نخيل القليب
مسجد يقال : إنه مبرك ناقة النبي ‘ ) .
وهذا النص يثير الكثير من
الإشكاليات وقد تحدثنا عنها من قبل في حديثنا عن مسجد العريش ، وفي اعتقادنا أن
ابن جبير قد أخطأ هنا في تحديد المواضع أو أن في النص خطأ ما أو سقط جعله بهذه
الصورة فهو يذكر أن موضع العريش متصل بسفح جبل الطبول ثم يذكر أن الوقيعة أمامه ،
فهذا النص يجعل من جبل الطبول مقارب لموضع العريش ومجاور لموقعة المعركة على الرغم
من أن مسجد العريش وموضع المعركة يبعدان عن جبل الطبول بما يزيد عن ( 2 كيلو ) ،
او أنه يشير إلى مسجد أخر كان يعرف بمسجد العريش كان يقع بجوار جبل الطبول ( كثيب
الحنان أو أبرق الحنان ) ، ومما يزيد في الإشكالية أن بعض الرحلات - وكما ذكرنا من
قبل في مادة ( جبل الملائكة ) - تتحدث عن مسجد أو مشهد يقع مجاور لجبل الطبول أو
عند مدخل بدر الشمالي فهل هذا المسجد أو المشهد هو ما قصده ابن جبير ؟ .
ومن الغريب أن ابن جبير لم يتحدث
عن مسجد العريش وإنما تحدث عن مسجد أخر هو ( مبرك الناقة ) وفي الغالب أن هذا
المسجد هو نفسه مسجد النصرة فهذا المسجد يعرف بهذا الاسم ومما يدل على ذلك قول
صاحب الرحلة الناصرية : ( فائدة : بإزاء مسجد العريش مسجد النصر صلى فيه النبي ‘ وهناك مبرك ناقته القصوى . ) .
ومن النصوص التي نسجلها هنا يتضح
أن هناك ثلاثة مساجد كانت قد عرفت في بدر قديمًا وهي :
1- مسجد العريش ويعرف أيضًا بمسجد
الغمام ( الغمامة ) ، وقد سماه بمسجد العريش العبدري ( ت 700 هـ ) ، الجزيري (ت 977 هـ ) ، النهروالي ( ت 990 ) ، الهشتكي ( ت 1096 هـ ) ، العياشي ( ت 1090 هـ ) ، الرحلة الناصرية ( ت 1129 هـ ) ، ابن الطيب ( ت 1171 هـ ) ، الرحلة الناصرية الكبرى ( 1196 هـ ) ، وقد ذكر اسم مسجد (الغمام / الغمامة ) على أنه مسجد العريش في رحلة
الجزيري والنهروالي والعياشي والرحلة الناصرية ورحلة ابن الطيب والرحلة الناصرية
الكبرى ، بينما ذكره بهذا الاسم ( الغمام / الغمامة ) فقط في رحلة النابلسي ( ت
1142 هـ ) وفي رحلة بروكهارت
( 1230 هـ ) وفي رحلة التامراوي
( ت 1285 هـ ) وفي الرحلة
الحامدية ( سنة 1298 هـ ) ، وقد ذكر الرحلة
الحامدية أن موضع العريش يقع في مقبرة الشهداء مما قد يدل على أنه قد فرق ما بين
موضع العريش ومسجد الغمامة .
2- المسجد الذي يقع بجوار سفح جبل
الطبول ويزعم البعض انه موضع العريش أو موضع شهداء بدر .
3- مسجد النصر ( النصرة ) ويعرف
أيضًا بمسجد ( مبرك الناقة ) ، أول من ذكره ابن جبير في رحلته ، وقد ذكره الجزيري
وذكر أن البعض يذكر أنه حوض النبي ‘ ، وذكره النهروالي وذكر أنه متهدم ، كما ذكره صاحب الرحلة الناصرية الكبرى
وذكر أن هناك مبرك الناقة .
4- ومن مساجد بدر مسجد بجوار جبل
الملائكة ذكره الزمخشري في قوله : ( وجبل الملائكة وهو الجبل الذي نزلت فيه
الملائكة وفيه مسجد، وهو قبالة الأصفر من شرقيه. ) ، وقد يكون هذا المسجد نفسه الجبل المجاور لجبل الطبول فقد ذكرت ابن جبير
أن جبل الطبول مجاور لجبل الملائكة وقد تحدث العياشي وصاحب الرحلة الناصرية عن
مسجد مجاور لجبل الطبول أو عند مدخل بدر الشمالي وذكروا أن البعض يزعم أن هذا
الجبل هو مسجد العريش أو مشهد الشهداء وقد نفوا صحة هذا ، وإحداث غزوة بدر تتنافى
أيضا من أن يكون هذا المسجد هو مسجد العريش .
5- ومن مساجد بدر مسجد علي بن أبي
طالب يبدو أنه كان يقع بجوار قبور الشهداء وينسب لعلي بن أبي طالب ، ذكر هذا
المسجد الرحالة الهندي رفيع الدين المراد آبادي ، وابن عبد السلام في رحلتهم .
6- ومن مساجد بدر مسجد الشريف أو
مسجد السوق القديم حاليًا ، ذكر النهروالي أن من أمر ببنائه هو أبو نمي بن بركات (
931- 992 هـ ) ، يقول : (
وبالمحطة مسجد بناه مولانا السيد الشريف أبو نمي بن بركات نصره الله وجعل فيه
إماما يصلي به الصلوات الخمس ، ورتب له من ماله مرتبا له .) ، ويحدد الجزيري تاريخ
بناء المسجد فيقول : ( واستجد بها السيد الشريف نجم الدنيا والدين أبو نمي بن
بركات ، أمير الأقطار الحجازية مسجداً حسناً في نيف وخمسين وتسع مئة . ) . ويعرف
هذا المسجد بمسجد القرعاوي سابقًا ويسمى حاليا مسجد السوق القديم.
مسجد
العريش ( مسجد الغمامة )
ويطلق عليه مسجد العريش ومسجد
الغمام في فترة من الوقت وقد تحدثنا عنه من قبل ( أنظر مادة : " العريش
" ) .
مسجد
علي بن أبي طالب
مسجد في الشهداء وتذكره كتب
الرحلات ، قال ابن عبد السلام في حديثه عن الشهداء : ( وبأعلاها مسجد صغير مدور
بحجارة ينسب لعلي بن أبي طالب ) ، وقول الرحالة الهندي المراد آبادي في حديثه عن
الشهداء : ( وهناك فوق جبل صغير بجانب هذه القبة ، يوجد مسجد يقال له : مسجد علي
المرتضى ( ¢ ) .
مسجد
مبرك الناقة
وهو مسجد مجاور لمسجد العريش وهو
نفسه مسجد النصرة ( أو مسجد النصر الذي يرد في الرحلات ) ، ويعرف أهل بدر قديمًا
بمسجد النصرة ، أما مسجد الناقة فهو اسم متداول ما بين بعض الباحثين على ما يبدو
فقد وجدت من بعض مواقع التواصل الحديث عن هذا المسجد وتسميته بهذا الاسم وباسم
مسجد النصرة .
وربما أن هذا المسجد أقيم في موضع
مبرك ناقة الرسول ‘ بجوار العريش ، وإن
كنت لم أجد نص في كتب السيرة تناول هذا الأمر ، والرواية الوحيدة التي تذكر هذا
المسجد هي رحلة ابن جبير ومن بعده ابن بطوطة والتي هي نسخة من رحلة ابن جبير .
وقد يكون المقصود بمبرك الناقة هو
ما تورده بعض أخبار السيرة من مخاطبة الرسول ‘ لكفار قريش بعد غزوة بدر ، يقول ابن كثير : ( وقال البخاري حدثنا عبد الله
بن محمد سمع روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك
عن أبي طلحة أن رسول الله ‘ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر
خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم
الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق إلا
لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي [ طرف البئر ] فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء
آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد
وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا» . فقال عمر: يا رسول الله ما
تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال النبي ‘ «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» ) ، وإن كنت أشك في هذا الاستنتاج واستبعده كثيرًا .
ورغم ذلك فإن صح أن مبرك الناقة هو
نفسه الموضع الذي خاطب فيه الرسول ‘ كفار قريش فهذا يتعارض مع الروايات المحلية التي تزعم أن كفار قريش قذفوا
في الجهة المقابلة وبجوار مقبرة الشهداء ( جنوب شرق المقبرة ) ، مع أنني أرجح صحة
الرواية المحلية التي ترى أن موضع قليب كفار قريش بجوار الشهداء لسببين أن جهة
كفار قريش أقرب إلى تلك المنطقة فبالتالي فقد قتلوا في المنطقة المجاورة من مقبرة
الشهداء وتم سحبهم إلى منطقة قريبة من الأماكن التي قتلوا فيها ، كما أن الموضع
الذي يحدده أهل بدر كمكان لدفن كفار قريش منطقة مرتفعة وبعيدة عن مجرى السيول وهو
بالنسبة لي أقرب للصحة ، وإن كان شعر كعب بن مالك وقوله :
|
فأقام بالعطن المعطن منهم
|
|
سبعون عتبة منهم والأسود
|
قد يشير إلى أن موضع دفن كفار قريش
بالعطن جنوب شرق مسجد العريش .
ومهما يكن الأمر فقد ذكر ابن جبير
هذا المسجد فقال : ( وعند نخل القليب مسجد يقال له مبرك ناقة رسول الله ‘ ) ، ولا نعلم ما المقصود هنا بهذا المسجد هل هو مسجد العريش أم هو مسجد
النصرة مع العلم أن ابن جبير وكما رأيت يذكر مسجد العريش بأنه عند سفح جبل الطبول
مما قد يدل على أنه المقصود به هو مسجد النصرة.
وفي الرحلة الناصرية الكبرى ، يقول
: ( فائدة : بإزاء مسجد العريش مسجد النصر صلى فيه النبي ‘ وهناك مبرك ناقته القصوى ، ومقابر الشهداء ولعله هو المنسوب اليوم لعلي ابن
أبي طالب كما تقدم .) ، وهذا النص مشكل وفيه اضطراب فنحن نعلم أن مسجد النصر أو
النصرة جنوب مسجد العريش وهو معروف لأهل بدر وسوف نذكر بعد قليل قول السمهودي
وغيره في هذا المسجد ، ولكن هنا النص يذكر أن هناك مبرك ناقته القصوى مما قد يدل
هذا على أن مسجد النصر هو نفسه مسجد مبرك الناقة ، إلا أنه يكمل قائلا : ( ومقابر
الشهداء ولعله هو المنسوب إلى علي بن أبي طالب ) ومسجد علي بن أبي طالب يقع في
الشهداء وليس في جنوب مسجد العريش وصاحب الرحلة ابن عبد السلام وفي حديثه عن
الشهداء يقول : ( وبأعلاها مسجد صغير مدور بحجارة ينسب لعلي بن أبي طالب ) مما يدل
على أن المسجد في الشهداء ، بينما النص السابق يدل على أن مسجد النصرة ومبرك
الناقة ومسجد علي مسجد واحد وهو في الشهداء ، وهذا يخالف ما نعرفه من أن مسجد
النصرة جنوب العريش ، ولا أفسر هذا الاضطراب إلا بأن هناك سقط في هذا النص وأن ابن
عبد السلام يتحدث عن مسجدين مسجد علي بن أبي طالب في الشهداء ومسجد النصر أو مبرك
الناقة بجوار العريش.
مسجد
الملائكة ( مسجد جبل الطبول )
وهذا المسجد أول من ذكره حسب ما
نعلم الزمخشري ( ت 537 هـ ) وذلك في حديثه عن جبل الملائكة والتي نزلت به الملائكة وفيه مسجد ، ، ويظهر أن هذا المسجد هو المسجد الذي ذكره ابن جبير ( 614 هـ ) على أنه مسجد العريش وأنه متصل بسفح جبل الطبول ، ويظهر لي أن ابن جبير
اخذ هذه المعلومة من أحد أعراب المنطقة من الذين يجهلون أحداث غزوة بدر .
وقد تحدثت بعض كتب الرحلات عن هذا
العريش المزعوم الذي بآخر المضيق ( بين الحنان وأبرق الحنان ) فقد قال العياشي : (
وفي أخر المضيق بين الرمل والجبل عريش إلى الآن ، يزعم الناس أنه موضع العريش الذي
بُني للنبي، ‘ ، يوم بدر ، وأن ذلك
موضع الوقعة وليس به )
وذكره صاحب الرحلة الناصرية وذلك في قوله : (
وبآخر المضيق وأنت داخل إلى بدر في أصل جبل الطبول مشاهد مدور عليها بأحجار ،
يزعمون أنها قبور الشهداء ، وبعضهم يقول : محل العريش ، فزرنا ذلك بالنية ) ، وإن
كان صاحب الرحلة يقول ( وإن كان التحقيق أن قبور الشهداء بسفح الجبل قرب القرية )
.
ومثله يتحدث الهشتكي عن هذا المشهد
أو العريش قائلًا : ( تنبيه : إعلم أن قبور الشهداء أسفل الوادي من جهة البزوة .
وليس الذي تزعمه العوام تحت الكثيب على طريق القادم من مصر ، بل ما زعموا إفك من
القول وزور ، وكلام أهل الخرافات والكذب والفجور . ) .
ونستنتج أن هذا المسجد بني بجوار
جبل الملائكة ، في القرن السادس الهجرية أو قبل ذلك ، ولعله من المساجد التي بنيت
على يد ملوك مصر والتي تحدث عنها المقدس في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم
، وأنه حدث خلط بين هذا المسجد ( مسجد الملائكة ) ومسجد العريش في زمن ابن جبير (
أواخر القرن السادس ) ، واستمر هذا الخلط عند بعض العامة طوال عدة قرون .
مسجد
النُصره ( مسجد النصر )
مسجد النُصرة بضم النون يعرف لدى
أهل بدر بهذا الاسم ، ويعرف في كتب الرحلات وعند السمهودي بـ ( مسجد النصر ) ،
ويظهر أن أسمه أخذ من الآية الكريمة : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .
وهو مبنى طيني صغير مكون من حجرتين
متتاليتين شمالية وجنوبية ، وهو مجاور لمسجد العريش من الجهة الجنوبية الشرقية ،
ويعرف أيضًا بمسجد مبركة ناقة النبي ‘ ، ويبدو أن ابن جبير يقصده في رحلته ، وقد تم هدمه في هذه السنة 1444 هـ بعد أعمال الصيانة على مسجد العريش .
يقول السمهودي ( ت 922 هـ ) في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى والذي انتهى من تأليفه في رابع شهر
رمضان المعظم عام 893 هـ : ( ومن ذلك مسجد بدر " كان العريش الذي بنى لرسول الله ‘ يوم بدر عنده وهو معروف عند النخيل والعين قريبة منه وبقربه في جهة القبلة
مسجد آخر يسميه أهل بدر مسجد النصر ولم أقف فيه على شيء . ) .
ويقول النهروالي : ( وبين النخيل
مسجد يقال له الآن مسجد الغمام ، به منبر يصلى فيه الجمعة يقال أن النبي ‘ ظلله الغمام فيه ، وهو مسجد العريش المذكور وبقربه مسجد آخر ، يقال له مسجد
النصر ، وهو متهدم اليوم ، يقال : إن النبي ‘ وقف به عند انتصاره على كفار بدر ) .
وسبق أن سجلنا في مادة مسجد العريش
قول الجزيري في درر الفرائد ( وبقربه [ أي مسجد العريش ] في جهة القبلة مسجد آخر
يسميه أهل بدر مسجد النصر ) .
ويقول أيوب صبري باشا في حديثه عن
مسجد بدر : ( ساحة هذا المسجد اللطيف المقدسة موضع العريشة التي صنعت من أجل النبي
‘ في ملحمة بدر الكبرى
. واليوم بجانب حديقة النخيل ، وعلى الجهة القبلية من المسجد اللطيف الذي يطلق
عليه الأهالي مسجد النصر وكان هذا بئر أيضًا ، وقد خربت مباني مسجد النصر ولم يبق
حتى أثر لأساسه ولا يوجد الآن من يعرف ساحة ذلك المسجد أو بئر الماء ) .
أما العياشي فبعد أن ذكر نص مسجد
العريش ومجاوره مسجد النصرة والذي ذكره السمهودي ، قال : ( أقول أن المسجد الثاني
إن كان الموجود الآن وهذا ما أميل إليه فليس في جنوب مسجد العريش بل في شرقيه ، وهو من قسمين كما يشاهد اليوم ، وعند المنزلة القديمة داخلي وخارجي وفي
القسم الخارجي يبدأ فرعيه من قناة العين يتوضأ منها الناس ، وقد نبتت نخلة في
المجرى وفي كلا القسمين محراب منفرد عن القسم الآخر ، وعندي أن هذا المسجد أقامته
في حكومة التركية ، وكانت تتبع آثار عمر بن عبد العزيز في الآثار النبوي ، ولها
فيها إشارات غامضة في المسجد النبوي وفي الحجرة الشريفة ، إذا فهذا المسجد أقيم في
مكان الحوض وهو إلى جانب المسلمين ، وكان المسلمين في غربيه إلى مسجد العريش الذي
هو مركز القيادة ، وليس بين المسجدين كبير بعد ، ولا داعي لوجود مسجدين في منطقة
واحدة ومتقاربين لولا السبب الذي ذكرته وأميل إليه ) ، والعياشي في حديثه هنا إنما يصف مسجد الشريف أو مسجد القرعاوي أو مسجد
السوق القديم حديثًا ، ولا علاقة لهذا المسجد بمسجد النصرة ، فمسجدة النصر أو مسجد
النصرة يقع جنوب العريش بالفعل .
وقال الوالد مفرج السيد ¬ في بحث له عن مآثر بدر : ( يوجد هذا المسجد جنوب مسجد العريش في موقع يسمى
الحصن على الطرف الغربي من زبارة الخميس ، ويطل على بلاد أم زبده والشوال اللتين
تقعان في الغرب من المسجد . وهو مبني من الطين وبه مناره صغيره ولم أدركه وبه مصلى
للناس ).
أما يوسف حامد الرديني ¬ فيقول عن هذا المسجد : ( وهو مسجد صغير ، على تل من رد استحدث الخيف ، وهو
أمام مسجد العريش من ناحية القبلة ، وقد ذكره أكثر من رحالة ، من المتأخرين ولم
يذكر ابن جبير أو ابن بطوطة عنه شيئَا ، بل ذكر مسجد العريش يسمى في ذلك الوقت
مسجد مبرك الناقة ، ولعل هذا المسجد بني قريبًا من القرن العاشر ، وكان يقال : أن
المسجد بني في المكان الذي رمي منه البني صلى الله علي وسلم قريش بالحصباء ، ولم
أجد شاهد على صحة هذا ، إلا ما ذكر الرحالة ولم يقفوا فيه على ما يؤكد صحة هذا
الخبر ) .
وفي اعتقادي أن مبرك الناقة الذي
يذكره ابن جبير في القرن السادس الهجري هو نفسه مسجد النصرة أو مسجد النصر لا كما
يعتقد يوسف حامد يوسف ¬ من أنه مسجد العريش ، ففي الرحلة الناصرية الكبرى ، يقول : ( فائدة : بإزاء
مسجد العريش مسجد النصر صلى فيه النبي ‘ وهناك مبرك ناقته القصوى ) ، وبالتالي فإن بناء هذا المسجد يعود إلى القرن
السادس الهجري وكان يسمى بمسجد مبرك الناقة عند مرور ابن جبير ببدر ثم عرف فيما
بعد بمسجد النصر وقد سماه السمهودي في خلاصة الوفا بمسجد النصر وقد انتهى من تأليف
الكتاب في سنة 893 هـ وكذلك ذكره الجزيري
والنهروالي كما ذكر في الرحلة الناصرية ، ويعرفه أهل بدر بمسجد النُصرة .
مسجد الأقصى
ذكر هذا المسجد الرحالة التركي
محمد أديب في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ، وقد يكون المقصود به مسجد النصرة أو
مسجد السوق القديم ، يقول : ( وبالقرب من هذا المسجد مسجد آخر يسمى المسجد الأقصى ، يصلي فيه طائفة زبيد
والأشراف المحاسنة والقرابة والشكرة والعتيق ، وبالقرب من هذا المسجد منطقة فيها
رمل كثير ومرتفع من الأرض يسمع فيه أحيانا في وقت الفجر صوت طبل مسموع ، وفي هذا
المرتفع نزل فخر العالم وفخر الكائنات ( عليه وآله الصلاة والسلام ) منتظرا الكفار
في معركة بدر . وبالقرب من هذا الموضع بنى السلطان الغوري ( المملوكي ) بركة كبيرة
لها درج . ) .
مسجد (
مسيِّد فارس )
مسجد ما بين المسجد العريش ومسجد
سوق بدر القديم وقد تعرض للهدم .
قال الوالد مفرج السيد : ( مسيد
تصغير مسجد ، كلمة خليجية في إبدال الجيم بالياء ، وفارس هو أحد رجال قبيلة
الأشراف ببدر ، وهو مؤسس هذا المسجد .
والمسجد هذا عباره عن غرفة واحده
مبنيه من الطين ، ولا يوجد بها مئذنة ، ولم نسمع أنه أقيمت به صلاة جماعة بل كان
من فاتته الصلاة في المساجد الأخرى ومر من جانب المساجد يصلي به ، وبهذا المسجد
مورد للماء من العين يقع شمالاً عنه ، وفي هذا المورد رأت المرأة علبة الصفيح التي
امتدت لها يد من داخل العين منقطه بالنيل وحملتها ، وفي مدخل هذا المورد رأى رجل
شخصاً ملتحفاً بقماش أبيض وهو يسد الطريق عليه .
والمسجد الآن قد غطاه البنيان وهو
في داخل مندي العريش ) .
مسجد
الشريف أو السوق القديم ( القرعاوي )
هذا المسجد يقع جنوب غرب سوق بدر القديم ولذا
سمي بمسجد السوق القديم ، أما تسميته بمسجد الشريف فإن الشريف أبو نمي بن بركات قد
بناه .
وهو المسجد المقصود بقول الجزيري
صاحب كتاب درر الفرائد المنظمة في أخبار الحج و طريق مكة المعظمة حيث قال : ( وأما
محطة أهل الركب ففيها نخل وبيوت ، وعين ما تجري والفسقية الكبيرة التي بها والقبة
التي عليها يروى منها الحاج ، ويفضل عنهم ، مستجدة الإنشاء بأمر السلطان قانصوه
الغوري ، على يد علاء الدين ابن الإمام ناظر الخواص الشريفة في سنة خمس عشره وتسع
مائة ، ورتب لها في تلك السنة مرتباً من ديوان السلطنة الشريفة يصرف للإشراف بها
عن الدرك وملئ الفسقية ، واستجد بها السيد الشريف نجم الدنيا والدين أبو نمي بن
بركات ، أمير الأقطار الحجازية مسجداً حسناً في نيف وخمسين وتسع مئة . ) .
ويقول النهروالي : ( وبالمحطة بركة
عظيمة ينزل عليها بالدرج ، تملأ للحجاج ، وبها قبة بيضاء .
وبالمحطة مسجد بناه مولانا السيد
الشريف أبو نمي بن بركات نصره الله وجعل فيه إماما يصلي به الصلوات الخمس ، ورتب
له من ماله مرتبا له . ) .
ويذكر الأستاذ محمد البليهشي مسجد
وسماه ( مسجد الحوض ) وأشار إلى الرواية التي تذكر فيها إشارة الحباب بن المنذر
للرسول ‘ بتغوير القلب وبناء
حوض للشرب .
وذكر أنه موقع الحوض ( بقى مسجدا صغيرًا تقام
فيه الصلاة بجوار سوق بدر القديم قرونًا من الزمن وانهدم بناؤه مرارًا وجدد ولا
يعرف بداية بنائه ولكن بقى مسجد طوال قرون عديدة وبعد هجر سوق بدر القديم وبناء
مسجد السوق الحديث انتقل الناس إليه وبقى مسجد الحوض يروي تاريخ البطولة والفداء على
مر الزمان .
وعند العمل في إجراء عين بدر في
العصور المتقدمة يظهر أن من أجراها تعمد مرور منبعها بجوار المسجد حيث أجريت
بجواره من الجهة الشمالية وبنيت العين ( مجراها ) بالحجر وعملت بأطراف المجرى عند
النزول إلى العين بجوار المسجد ( درج ) ليتمكن الناس من الشرب والوضوء من تلك
العين الجارية .
وقد جفت العين وبقى المجرى بجوار
المسجد اليوم ) .
قلت ولا يصح ما ذكر الأستاذ الأديب
محمد صالح البليشهي فهذا المسجد كما ذكرنا بني في القرن العاشر الهجري ولا علاقة
له بالحوض الذي يرد في السيرة النبوية ، فذلك الحوض يقع في الغالب جنوب مسجد
العريش حيث جرت المعركة لا في شمال شرق مسجد العريش .
وقال مفرج السيد ¬ : ( ورأينا هذا المسجد مبنياً بالطين ، وكان يدرس به بعض المعلمين ومنهم
حامد الفقيه وهو قديم لم يعش في عهدنا وقد رأيت له خطاً جميلاً بالنسبة لخطوط ذلك
الزمن ، وهو في بعض الحجج القديمة ، كما دَرَّس به الشيخ احمد بن جريبيع الصبحي ،
وقد دَرَس به بعض إخوتي الكبار ، اما أنا فلم أدرس به .
وقد كانت المساجد تضاء بالقناديل
التي تزود بالزيت وفي إحدى السنين عدم الزيت بالبلد وأصبح الناس يزودون القناديل
بالسمن وقد لاحظ قيم هذا المسجد أن زيت قنديل هذا المسجد في كل يوم عندما يملؤه
بالسمن ويضع بجانبه الكبريت ليضيئه عند صلاة الفجر وجد القنديل فارغاً من السمن
وتكرر ذلك عدة ليال ، فكمن في المسجد في الظلام وفي وقت متأخر جاء مملوك عرفه ودخل
ومعه قطعة من التمر وتناول القنديل وقال : غُرَيِّب يا سيدي ، عبيدك المسكين يغمس
ولا ما يغمس ، ثم رد على نفسه وقال : يغمس ثم يغمس ثم يغمس ، وغمس التمر في السمن
حتى أتى على التمر والسمن ثم خرج ، وغريب هذا له قبر في جانب المسجد وكانت هناك
شجرة يقولون لها شجرة الغُريب وهذا يدخل ضمن ما يعتقده الناس في الأولياء والصالحين
في القديم ، وقد انقضى ذلك في الوقت الحاضر بفضل الله ثم بانتشار العلم والدين
الصحيح والإرشادات السديدة والحمد لله رب العالمين ، ولم عرف قيم المسجد هذا
المملوك ذهب إلى سيده وأخبره بالقصة فزاد للملوك في الزاد حتى لا يعود لمثل هذا
العمل وعوض المسجد عن ما أتلفه من سمن في الماضي .
وللمسجد هذا موردان من الماء من
العين مكشوفان أحدهما يتوضأ به المصلون والآخر يرده النساء في غير وقت الصلاة
وبينهما جدار .
وقد جدد بناء هذا المسجد بالإسمنت
المسلح على الطراز الحديث ) .
ويقول يوسف حامد الرديني ¬ عن هذا المسجد : ( وهو مسجد قرب سوق بدر القديم قال النهروالي في مخطوطته :
وبالمحطة بركة عظيمة ينزل إليها بدرج تملأ للحجاج ورها قبة بيضاء وبالمحطة مسجد
بناه مولانا السيد أبو نمي بركات ، صلى فيه ، ويصلي به الصلوات الخمس ورتب له
مرتبًا ، وهذا المسجد بقى حتى عهد قريب ، وكان أحد الآثار المعمارية ببدر ، وقد
تميز بأسلوب بنائه المقبب ولونه الأبيض وأقواسه الجميلة ، حتى هدم فيما بعد ، ثم
بني على الطراز الحديث ، ولعل هذه البركة جزء من فلج العين شمال المسجد ، أما
البركة التي في موقع سوق بدر الجديد فهي كانت تملأ من العين ، قال النهروالي :
بناها السلطان قانصوه الخوري في عام 915 هـ ¬، وقد ذكر في مخطوطة
أن هناك مسجد بناه صاحب مكة في عصرنا ؛ أي القرن العاشر الهجري . ) .
مسجد
حارة السادة القديم
ذكره الوالد مفرج السيد ¬ فقال : ( ذكر لنا الأقدمون انه كان بحارة السادة مسجد يوجد في الجهة الغربية
بينها وبين سور بدر القديم ، وقد اندثر وغطت عليه الأبنية ، والآن يوجد بها مسجدها
الحديث الذي بناه الشيخ عبد الحميد بن أحمد بن خنيفس الصبحي مدير مدرسة تحفيظ
القرآن سابقاً ، وقد بناه على انقاض بيت لجده خنيفس بن بركة الله وأخيه براك .
وكان هذا البيت عبارة عن مخزن
يدخرون به التمر والدخن وعلف الجمال والأغنام ويسميه البدو القصر وهو عاده عند
البدو في كل بيت يسمونه بالقصر فجزاه الله خير الجزاء عن أهل الحارة وحارتهم .
واسم المسجد القديم " مسجد جردان " ) .