مجالس العلماء والشيوخ
ومن مركز التعلم التي كان لها أثر في بدر أو على الأقل
عقدت في بدر ، مجالس العلم ونحن وإن كنا نعتقد أن هذه المجالس كانت نادرة أو تكاد
تكون منعدمة فلا نجد إلا إشارات قليلة عن هذا المجالس بل إن ما يرد عن هذه المجالس
هو أقرب إلا الجلسات أو المشافهات إلا فيما ندر وغالب هذه المجالس تعقد من قبل بعض
العلماء في طريقهم للحج مما قد يقلل من قيمتها وتأثيرها على التعليم في بدر .
وقد سبق أن ذكرنا من سكان بدر أبو مسعود البدري وهو
صحابي من رواة الحديث سكن في بدر وفي الغالب أن جميع رواياته كانت بالعراق ، ولا
يمنع ذلك أن تكون بعض رواياته قد جرت أثناء إقامته في بدر .
ويبدو أن الجار قد انتشرت بها مجالس العلم ودليل ذلك
تلك السلسلة التي ذكرها ياقوت الحموي عن من ينسب لمدينة الجار من العلماء وما يروى
في تراجم هؤلاء .
ويتحدث مهيار الديلمي ( ت 428 هـ ) في
شعره عن الحنان وعن لياليهم على الأبرق ومما لا يستبعد فيها أن تكون هناك بعض
الجلسات الأدبية التي كانت تتناول الأدب مع ما نعرفه عن ثقافة مهيار الديلمي
وقيمته الأدبية ومن غير المستبعد أن يحضر بعض أبناء المنطقة هذه المجالس لقيمة
مهيار الديلمي الأدبية .
وقد زار بدر
أيضًا الجغرافي الاندلسي أحمد بن عمر بن أنس العذري ( 393-478 هـ )
صاحب كتاب " أعلام النبوة " و كتاب " نظام المرجان في مسالك
البلدان " ويطلق عليه كتاب " البستان في غرائب البلدان " و "
المسالك إلى جميع الممالك " وكان الكتاب من مصادر الشريف الإدريسي الجغرافي
المعروف ، وقد نقل ابن العطار عنه أنه سمع سنة 414 هـ ببدر
دويًا عظيمًا كالهد مرارً كثيرة في بعض الأيام فسأل عنه فقيل له : " إن هذا
هدير الجبل الرمل الأبيض العظيم ، الذي ببدر وهو إمارة عندهم للسنة الخصبة الجيدة
وأمان لوصول السفن لمدينة الجار ، وهو مستفاض عندهم " ([1])، فالشاهد هنا حديث العذري عن استفاضة هذا الامر لديهم مما يدل على أنه كانت
بينه وبين بعض أهل بدر جلسات تتناول العلم والأدب خاصة أن الشيخ حمد الجاسر يذكر
أن في المقتطفات من الكتاب فيه طرافة وإمتاع وهي من صفات الكتابات الأدبية.
وفي منتصف القرن الخامس الهجري تقريبًا أيضًا مر
الخطيب البغدادي ببدر فهو يروي عن أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر بن عبد المري
ببدر بعد أن حجوا وعادوا إلى المدينة ، فهذا جميعه في قرن واحد يدل على في بدر شيء
من العلم والثقافة وإن شابها أيضًا بعض الخرافة كاعتقادهم عن ارتباط جبل الرمل
بالخصب .
ويبدو أن
العالم العربية والإسلامي وفي منتصف القرن الخامس الهجري عاش ركودًا علميًا بسبب
التدمير الذي حدث في العالم العربي عند سيطرة السلاجقة الأتراك على الدولة
العباسية مع الأوبئة التي ظهرت في العراق والشام والحجاز ومصر والمجاعات التي عصفت
بالحجاز في هذا القرن ، ولم يتخلص العالم العربي من هذا الركود القرن التالي (
القرن السادس ) ثم القرون التي تليه .
ويبدو أن من تأثر بهذه الانتكاسة العلمية في مدينة
الجار أنها فقدت مكانتها العلمية على ما يبدو بعد ذلك التاريخ لتنهار هذه المدينة
في القرن السادس أو السابع وينتقل ثقل الحركة العلمية إلى الصفراء منذ القرن
الثامن الهجري ، فنجد بعض الكتب التاريخية تورد بعض التراجم عن رواة ومحدثين في
منطقة وادي الصفراء ومنهم ظهيرة بن حسين القرشي المخزومي ( 745-819 هـ ) ،
وذكر تقي الدين الفاسي أن ظهيرة هذا سمع بمكة من القاضي عز الدين بن جماعة أربعينة
التساعيات وغيرها وأجاز له شيوخ مصر : الجزائري وابن القطرواي وأبو الحرم القلاني
وجماعة من مصر ودمشق ومكة ، وروى عنه تقي الدين عن القلانس جزء الغطاري بسماعه له
من ابن خطيب المزة ، وروى لهم بوادي الصفراء شيئًا من الأربعين التساعية لابن
جماعة وأخذ عنه الحافظ أبو الفضل بن حجر ، وكان يخدم السيدة زينب بنت القاضي شهاب
الدين الطبري وأمها لأنه كان زوج بنت أختها فنال بخدمتهم خيرًا وصار يتجر ويثري
وقد توفي بمكة سنة 819 هـ ([2]) ، فأنت ترى أن ظهيرة المخزومي هذا يروي عن القلانسي وابن جماعة ، ثم يرويه
عنه ابن حجر وتقي الدين الفاسي بوادي الصفراء ، كما يذكر ابن فهد في ترجمته لمحمد
بن علي الهلالي اللبيسي المكي المعروف بابن النحاس ( 794-867 هـ )
أنه سمع بوادي بدر على القاضي جمال الدين ابن ظهيرة وزوجته زينب بنت القاضي أبي
الفاضل الميسوي " الحديث المسلسل بالأولوية " بسماعهم من التوزي عن ابن
الحميري بسنده ، مما يدل على وجود مجالس علمية ([3]).
أما ابن جماعة
فهو القاضي عز الدين بن جماعة صاحب هدية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك ،
وقد ذكر في كتابه أنه مر ببدر سنة 749 هـ ،
أنه بعد بدر هناك شق في جبل وأنه رأى زحمة ورأى النساء مختلطات بالرجال وهم يصلون
به ، فسألهم عن صلاتهم فقالوا تحية البقعة فنهاهم عن ذلك وحذرهم من العود إليه ([4]) .
ولا يمنع أن
يكون الشيخ ابن جماعة قد عقد بعض المجالس العلمية في بدر أو غيرها من المواضع التي
سلكها في طريق الحج ، كما لا يمنع من أن تعقد بعض المجالس العلمية في العديد من
الرحلات ، وهذا ابن طولون في رحلته في القرن العاشر يذكر ان الشيخ جمال الدين أبو
المحاسن يوسف القاضي كان يفرد للحجاج في معظم منازل الحج مجلسًا علميًا يذكر فيه
جزءًا حديثيًا من مروياته وقد بلغت 57 مجلسًا وكان منها المجلس السادس والثلاثون
بوداي بني سالم ، والمجلس السابع والثلاثون بوادي الصفراء ختمه بشيء من النظم ،
والمجلس التاسع والثلاثون ببدر " وفاء النذر لبلوغ بدر " وختمه بأبيات
من نظمه ([5]).
وقد أورد السخاوي رواية عن عمر ¢ أن
الرسول ‘ كان يتعوذ من خمس " من البخل
والجبن وفتنة الصدر وعذاب القبر وسوء العمر "، وذكر في روايته أنه أخبره
الإمام الكمال محمد بن عبد الواحد السكندري الأصل فيما قرأه عليه ببدر أنه مما قرأ
عليه : أخبرك الجمال عبد الله بن العلاء الحنبلي سماعا ... الخ ([6]).
ويقول عبد الرحمن بن أبي القاسم الشاوي المزمري
الغنامي وفي رحلته سنة 1141 هـ (
1729م ) : ( وقرأنا على شيخنا الفقيه العلامة المعتمر أبي عبد الله سيدي محمد بن
زكري السادات أهل بدر بمكان الوقعة قراءة وتحقيقا ، وكل واحد باسمه وما خص به
النبي ‘ دون غيره من السادات € أجمعين
... وتصافحت معه وشهد لي بالقراءة والرواية والمصافحة ) ([7]).
ولكننا لا نعرف ما نصيب أهل بدر من هذه المجالس وهل
انحصرت هذه المجالس على مرتاديها من الحجاج أم شملت أيضًا سكان بدر بالفائدة
العلمية ، وإن كنا لا نستبعد أبدًا أن يكون أيضًا من مرتادي هذه المجالس إن حصلت
بعض أهل بدر ونعتقد بذلك نتيجة لما تذكره الروايات من اتصال بين الحجيج والسكان و،
وإن كانت بعض كتب الرحلات تتحدث عن الجهل الذي يعم المنطقة .
وعلى العموم أيضًا لم تخلو بدر من المشايخ فهذا
النهروالي وفي حديثه عن الشهداء يتحدث عن قبر السيد الرديني ويصفه بأنه من المشايخ
هكذا يصفه النهروالي أحد علماء القرن العاشر الهجري ، ويذكر العياشي في القرن
الحادي عشر الهجري عن السادة الردنة أن لهم اتباع في طريق القوم ومجلس ذكر وكبيرهم
السيد الغيث وقد زاره ودعا له كما يذكر العياشي ، وأنظر إلى قول العياشي مجلس ذكر
على طريق القوم ، ويقصد بذلك الصوفية ، ويظهر أن موضع هذه الذكر كان في موقع
السنوسية على الأغلب .
ومن مجالس العلم مجالس الشيوخ ونقصد بهم شيوخ القبائل
فيبدو أن شيوخ القبائل كان لهم دور في دعم العلم ومنهم الشريف عاتق بن محمد بن
نامي في القرن الثالث عشر الهجري وكان من كتابه الأخوين محمد سعيد بن عامر الرديني
وأخيه سعد وهما من الأدباء والكتاب وكان أحدهما شاعر والآخر مهتم بالمخطوطات .
ومن الشيوخ أيضًا الشريف عاتق بن أحمد سالم الذي كان
له دور مهم في بداية العهد السعودي في نشر التعليم في بدر كما يذكر الوالد مفرج
السيد ¬، وقد تبرع الشريف عاتق بمقر لكتاب
بحارة الأشراف وكان يدرس به الشيخ عبد الحميد بن محفوظ آل نامي .
([1]) انظر : مجلة العرب ج 5 و 6 ، س 12
، ذو القعدة والحجة 1397هـ - نوفمبر / ديسمبر 1977م ، ص 323-327 .
([2]) انظر : تقي الدين الفاسي ، العقد
الثمين في تاريخ البلد الأمين ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، 1998م ، ج4 ص 304 .
([3]) ابن فهد ، الدر الكمين بذيل العقد
الثمين في تاريخ البلد الأمين ، ص 237-239 ، ط1 ( 1421هـ - 2000م ، دار خضر
للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ) .