أبو عبد الرحمن
الثوري
أحد البخلاء والأغنياء من البصرة والذين ينقل الجاحظ بعض اخباره في كتاب
البخلاء ، فالجاحظ يذكر أسمه من ضمن شيوخ المسجديين المصلحين ، ورغم ما عرف عن هذا
من بخل إلا أن أحمد بن خلف اليزيدي يعتبره مع الكندي من الذين يستحقون الحجر ([1]) ، والمصلحين لقب المقدمين من البخلاء في اللؤم بالبصرة والكوفة كما يذكر
الآبي ([2]).
ويذكر طه الحاجري أن لم يجده في غير كتاب البخلاء على كثرة ما التمسه ، إلا
أن الحاجري يشير إلى شخصية أخرى بهذا الاسم وهي شخصية المبارك الثوري أبي عبد
الرحمن أخي أبي عبد الله سفيان الثوري ، ويقول الحاجري أنه: " ليس به قطعًا
" ، وينتقد الحاجري ما ارتكبته دار الكتب من خطأ شنيع كما يذكر ، ويذكر أنه
في الفهرست الذي وضعته لكتاب عيون الأخبار خلطت بين أبي عبد الله الثوري وأبي عبد
الرحمن المذكور في كتاب البخلاء . ويرى الحاجري ومن كتاب البخلاء أن أبا عبد
الرحمن سري من سراة البصرة يملك خمسمائة جريب من أكرم الأرض وكان يصطنع التجارة
وكان ينزل بغداد عند مسجد ابن رغبان وكان رجلا شديد العارضة عضب اللسان وقد جرد في
الانتصار للبخل والمدافعة عنه كتايًا ، كما صنع سهل بن هارون ، وكان فيما يظهر
رجلًا متأدبًا يروي الآثار المختلفة مثقفًا بثقافة عصره ([3]).
والجاحظ يذكر أنه رأه وسمع منه في البخل كلاما كثيرًا ، وذكر أنه من
البصريين ينزل ببغداد بمسجد ابن رغبان ، وذكر أنه لم ير شيخًا ذا ثروة اجتمع عنده
وإليه من البخلاء ما اجتمع له منهم ومنهم : إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان
بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحرامي عبد الله بن كاسب ، وذكر
أنه كان شديد البخل شديد العارضة عضب اللسان ، وكان يحتج للبخل ويوصي به ويدعو له
ويقول الجاحظ في الأخير ( وما علمت أن أحدار جرد في ذلك كتابا إلا سهل بن هارون
وهو ) ([4]) .
والجاحظ ينقل عن الخليل السلوي أنه كان يملك 500 جريب ما بين كرسي الصدقة
إلى نهر المرة كانت تأتي له بالغة الكبيرة ، ورغم ما لديه من ثروة إلا أن كان يدعو
عياله أن لا يلقوا بنوى التمر وأن يبلعوه ، وأن يأكلوا الباقلي بقشوره ، ورغم ما
يذكره الجاحظ عن عياله إلا أنه يذكر أنه كان ذو مال عظيم ولم يكن له وارث فكان
يسخر ببعضهم فيقول على الأشهاد ( قد علمتم أنه لا وارث لي ، فإن مت فهذا المال
لفلان ) فكان الكثير يحرص على مبايعته لهذا ([5]).
والجاحظ يذكر أنه كان قد رأه زمانا من الدهر ما رآه قط إلا ونعله في يده أو
يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب ، وقد انتقده البعض على ذلك فاحتج بالمجوس
بأنهم يرتعون في البصرة وبغداد وفارس والأهواز بنعال سندية ، فيرد عليه هؤلاء بأن
المجوس لا يستحل في دينهم المشركة فلا يلبسون إلا النعل السندية وأنه مسلم وصاحب
وماله كثير فيرد مستغربًا : فمن كان ماله كثيرا فلا بد له من أن يفتح كيسه لنفقات
وللسراق ؟ فينقدونه على ربطه بين الشراء والسرقة ( فليس بين هاتين منزلة ) ([6]) ، والجاحظ يذكر أنه عمر تسعين سنة ([7]).
والجاحظ ينقل بعض أخباره عن خليل السلولي كجلوسه في حلقة المصلحين في المسجد
، كما ينقل عنه أن عياله وخادمه قد أصابتهم الحمة فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل
الخبز فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق ففرح بذلك لإنه سيبقى له في السنة 100
دينار، فكان لا يبالي أن يحم هو وأهله ابدًا ، ولذلك فلا يستبعد أن يكون قد توفي
عياله في حياته فلذلك أصبح لا وارث له ، ينقل الجاحظ من أقواله : ( إذا رأيت الرجل
يشتري الجدي رحمته، فإن رأيته يشتري الدجاج حقرته، فإن رأيته يشتري الدرّاج لم
أبايعه ولم أكلّم ) ([8]).
ونقل الجاحظ بعض أقواله : ( أول الإصلاح، وهو الواجب خصف النعل ، واستجادة
الطرّاق ، وتشحيمها في كل الأيام. وعقد ذؤابة الشرّاك من زيّ النسّاك، لكيلا يطأ
عليه إنسان فيقطعه. ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسّخت، وغسلها من
اتساخها بعد القلب.
واجعلها حبرة فإنها مما له مرجوع. ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبّة في الشتاء،
واتخاذ الشاة اللّبون إذا كان عندك حمار. واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف
دينار، لأنه لرحلك وبه تدرك البعيد من حوائجك، وعليه تطحن فتستفضل ما يربحه عليك
الطحّان، وتنقل عليه حوائجه وحوائجك، حتى الحطب، وتستقي عليه الماء. وهذه كلها مؤن
إذا اجتمعت كانت في السنة مالا كثيرا.
ثم قال: أشهد أنّ الرفق يمن، أن الخرق شؤم، اشتريت ملاءة مذارية فلبستها، ما
شاء الله، رداء وملحفة. ثم احتجت الى طيلسان فقطعتها، يعلم الله، فلبسته ما شاء
الله. ثم احتجت إلى جبّة فجعلته، يعلم الله، ظهارة جبّة محشوة، فلبستها ما شاء
الله. ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح، فجعلته مخادّ ، وجعلت قطنها للقناديل. ثم
جعلت ما دون خرق المخادّ للقلانس ؛ ثم عمدت الى أصح من أصحاب الصينّيات
والصلاحيّات، وجعلت ما لا رقعة له ممحاة لي وللجارية، إذا نحن قضينا حاجة الرجال
والنساء. وجعلت السقّاطّات وما قد صار كالخيوط وكالقطن المندوف، صمائم لرؤوس
القوارير .) ([9]).
والجاحظ ينقل عنه وصية إلى ابنه يدعه إلى عدم إنفاق الدوانيق والدراهم ([10]) ، ويذكر أنه كان يعجب بالرؤوس وأن لا يأكل اللحم إلا يوم أضحى أو في عرس أو
عدوة أو سفرة وأنه سمى الرأس عرسًا وكان يسميه مرة الجامع ومرة الكامل ، ويصف
الرأس في قول طويل له ([11]) ، وأنه كان يوم الرؤوس اقعد ابنه معه على الخوان بعد أن اشترط عليه وكان
فيما شرط عليه ( إياك ونهم الصبيان وشره الزراع واخلاق النوائح ودع عنك خبط
الملاحين والفعلة ونهش الأعراب والمهنة وكل من بين يديك .. الخ ) ونقل في هذا بعض
أقوال الأنبياء والصحابة كالمسيح وعمر بن الخطاب وأبو ذر ، والمهلب والحسن وبكر بن
عبد الله المزني والحارث بن كلدة ، وهو يذكر أن الشبع يؤدي إلى الموت وأن عامة أهل
القبور إنما ماتوا بالتخم ([12]).
وانه كان يشتري الرأس من جميع بغداد إلا من مسجد ابن رغبان وكان لا يشتريه
إلا يوم السبت وان عدم شراءه من مسجد ابن رغبان أن أهل البصرة يختارون لحم الماعز
الخصي على الضأن ورأس ورؤوس الضأن أشحم وألحم رخصا وأطيب ورأس التيس أكثر لحما من
رأس الخصي لأن الخصي يقل لحمه ولا يبلغ جلده وإن كان ماعزا في الثمن عشر ما يبلغ
جلد التيس ولا يكون رأسه إلا دونا ولذلك تخطاه إلى غيره ، وأنه اختار شراء الرؤوس
يوم السبت لأن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر فتكثر الرؤوس يوم السبت والعوام
والتجار والصناع لا يقرمون إلى أكل الرؤوس يوم السبت ([13]) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق