الثلاثاء، 3 مارس 2026

قليب بدر ( معالم من بدر - كتاب الشامل عن تاريخ بدر ج 2 )

 

قليب بدر

وهو القليب الذي يرد في معركة بدر والذي أبقاه المسمون وبنوا عليه حوض ، والراجح أن هذا القليب هو نفسه بئر بدر ، وإن كنا أفردنا ( بئر بدر ) بمادة أخرى لأننا هنا سوف نتحدث عن القليب الذي أبقاه الرسول في يوم بدر .

 ونحن نعتقد أن هذا القليب غير القليب الذي تم رمي كفار قريش فيه ، فقد أقام الرسول والصحابة رضوان الله عليه في بدر مدة ثلاثة أيام ومن المستبعد أن ترمى جثث القتلى في هذا القليب وهو القليب الوحيد الذي لم يتم هدمه حسب الخطة التي أقترحها الحباب بن المنذر ¢ حين قال ( وبها قليب قد عرفت عذوبة مائه ) .

ويرى الشريف إبراهيم العياشي أن موضع القليب في العطن المعروف لدينا ، يقول الشريف العياشي : ( أعود للمناقشة : قال ابن إسحاق ثم نزل قريبا من بدر وبهذا يتعين ( الدبة في شمال منطقة النخيل وهي قريبة منها ) أن بدر في منطقة النخيل مما يؤيد ما ذهبت اليه أن بدر البئر المقصودة كانت في النخيل العطن والعطين وهما في منطقة مسجد العريض [ العريش ] وقريب من مسجد العين ) ([1]) . ويكمل قائلًا يقول : ( ومن كل مناقشات من الأعيان ، يتعين فيه موقع بئر بدر أنها في شمال الدبة ([2]) وغربي مجرى الوادي هناك وينطبق في العموم على منطقة النخيل اليوم وعلى الخصوص ما فيه نخل العطن ، كما ينطبق ما قاله ابن إسحاق بنصه والقلب بالعدوة الدنيا أي المنطقة التي فيها النخل اليوم ، وليس كل القلب هنا بل يكون غيرها في غير العدوة الدنيا كما سيأتي بإذن الله تعالى في موضعه ، ولعل المقصود من قول ابن إسحاق ان القلب التي أراد فيما حوله العطن على اتجاه الشرق من جهة الوادي وهذا منطبق تمام . والظاهر لي ان منطقة النخل كان يغمرها وآبارها واديان من الشرق والشمال وادي يليل ، ومن الغرب للشمال يدخلها وادي زفران في شعبة منه ما يسيل من الجبال الغربية وهذا مع وجود العين والنخيل ما كون الزير من الأتربة وهذا كون واديا " سيلا صغيرا " يعرف عند السكان بوادي الخشبي وهو في غربي منزلة الأشراف إلى جهة قبور الشهداء . وهذا في مجرى الوادي كما ذكرنا كون الأرض الرملية والطينية مختزنا من موجود المياه الجوفية ، وهذا سبب كثرة القلب في منطقة صغيرة إضافة لكثرة الوارد ، وهذا ما جعل منطقة بدر مشجورة أيضًا ) ([3]).

ويقول العياشي : ( ومشورة الحباب وموافقة الوحي اقتضيا الانتقال من الدبة إلى المنطقة التي فيها النخيل اليوم والقلب التي غورت مكانها في جنوب منطقة النخيل وفي مجرى وادي الصفراء ، وقلت أن بدرا كانت عطنًا وأن العطن اليوم مزرعة حافلة والنخيل العائد للأشراف . ولا يكون العطن إلا عند اعذب المياه في المنطقة ، وقد قال الحباب : وبها قليب قد عرفا عذوبة مائه فاني اذهب إلى أن القليب الذي أشار إليه الحباب كان في العطن المذكور ، ويؤيده الواقع ، فهو إلى جنوب مسجد العريش أما القليب هذا فقد دفن للاستغناء عنه لوجود العين حيث أحدثت زمن الأمويين ) ([4]) ، والشريف إبراهيم يستنتج هذا بناء على ما يعتقده من أن كفار قريش كانوا في مواجهة المسلمين من جهة الشرق أي أن جيشهم كان في محل سوق بدر الحالي أو بجوار مركز شرطة بدر وهذا ما لا يصح عندنا كما أنه يعارض ما تذكره كتب السيرة النبوية من أن كفار قريش كانوا في مواجهة الشمس وبما أن قدوم كفار قريش من الجنوب فإن معسكر قريش كان في جنوب غرب مسجد العريش .

ولذلك فنحن نعتقد أن القليب يقع جنوب مسجد العريش أو في الجنوب الغربي لمسجد العريش ونستنتج ذلك من أحداث معركة بدر فلا شك أن الحوض بني على القليب كما يذكر وذلك في قوله : " وبها قليب قد عرفت عذوبة مائه وماء كثير لا ينزح ثم نبني عليها حوض ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواها من القلب" ([5]) ، ويقول ابن إسحاق ( فنهض رسول الله ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية ) ([6]) .

وأحداث المعركة تظهر أن القليب كان بين صفوف المسلمين والمشركين وكان أقرب إلى صفوف المسلمين وأحداث المعركة توضح ذلك ومن ذلك ما تروية الروايات في مقتل الأسود بن عبد الأسد المخزومي الذي قال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج ، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ([7]) ، وقد كان حمزة أقرب المسلمين إلى صفوف كفار قريش ونستدل على ذلك بالرواية التي تروى عن علي بن أبي طالب في حديثه عن غزوة بدر : " فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم ، فقال رسول الله : " يا علي ناد حمزة " ، وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر ، فجاء حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة وهو ينهي عن القتال " ([8]) ، فهذين النصين يوضحان أن الحوض كان بين صفوف المسلمين وصفوف كفار قريش ، وإن كان أقرب إلى المسلمين من الكفار ، وكان الحوض بجوار القليب كما ذكرنا من قبل .

 ومن غير المنطقي أن يكون القليب خلف صفوف المسلمين أي شمال مسجد العريش حيث العطن ، فقد أوردت المصادر أن كفار قريش استطاعوا الوصول إلى الحوض ولو حدث ذلك فهذا يعني أن كفار قريش استطاعوا أن يحيطوا المسلمين من كل جانب وأن يلتفوا من حول مسجد العريش مركز القيادة الذي يقيم في الرسول .

ومما يؤكد استنتاجنا ان معظم الرحلات التي تحدثت عن بدر ذكرت أن موضع القليب كان نخيل ، يقول ابن جبير : ( وموضع القليب الذي كان بإزائه الوقعة الاسلامية التي اعزت الدين وأذلت المشركين هو اليوم نخيل وموضع الشهداء خلفه ) ، فهذا الوصف يؤكد أن موضع القليب جنوب مسجد العريش حيث يوجد النخيل التي من خلفها شهداء بدر .



([1]) الشريف العياشي ، في رحاب الجهاد الإسلامي .. غزوة بدر الكبرى ، ص 11 .

([2]) قلت : ربما الصحيح جنوب الدبة ، ويتضح ذلك من ما ذكره في نصه السابق .

([3]) الشريف العياشي ، في رحاب الجهاد الإسلامي .. غزوة بدر الكبرى ، ص 12 ، 13 .

([4]) إبراهيم العياشي ، غزوة بدر الكبرى ، ص 122 ، 123 .

([5]) مغازي الواقدي ، ج 1 ص 53 .

([6]) سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 620 .

([7]) انظر : سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 624 .

([8]) انظر : البداية والنهاية ، ج 3 ص 278 ، دار الفكر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قليب بدر ( معالم من بدر - كتاب الشامل عن تاريخ بدر ج 2 )

  قليب بدر وهو القليب الذي يرد في معركة بدر والذي أبقاه المسمون وبنوا عليه حوض ، والراجح أن هذا القليب هو نفسه بئر بدر ، وإن كنا أفردنا ( ...