مفرج السيد - حياته وشعره



بسم الله الرحمن الرحيم

مفرج السيد حياته وشعره









مقدمة

مفرج السيد شاعر من شعراء المملكة المعروفين وبالرغم من عدم حبه للظهور وبعده عن الأضواء فقد طلب منه أكثر من ناد أدبي إقامة أمسية شعرية كالنادي الأدبي بمكة المكرمة والنادي الأدبي بالمدينة المنورة إلا إنه اعتذر والأمسية الوحيدة التي أقامها كانت بمدينة المهد التي أمضى بها زهرة شبابه وبدعوة من إدارة تعليمها في حقل النشاط الطلابي وبالرغم من هذا التعتيم على نشاطه الأدبي من قبل نفسه إلا أن له انتشارا  واسعاً في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى وأطروحات الدكتوراه والماجستير عن الشعر السعودي المعاصر وقد نشر شعره في مجلة المنهل وصحيفة المدينة والندوة والبلاد وعكاظ والرياض ونشرت شعره بعض المجلات العربية والإسلامية في الخارج وعملت معه الإذاعة السعودية والتلفزيون السعودي أكثر من لقاء وأذيعت بعض قصائده بالإذاعة السعودية والإذاعة الأردنية الهاشمية وإذاعة صنعا والقسم العربي بالإذاعة البريطانية .

ولادته ونشأته :


            ولد الشاعر مفرج السيد بمدينة بدر ذات الأثر التاريخي المعروف في عام 1360هـ في بيت علم وفضل وشرف فوالده من متعلمي ذلك العصر الأمي وله إلمام بالحديث والفقه والتاريخ ووالدته تحفظ القرآن وتجيد القراءة والكتابة في وقت يندر فيه تعلم المرأة كما أ، والده كبير قبيلة السادة الردينيين المنتسبة إلى الحسين بن على رضي الله عنهما وقد تلقى الابن الشاعر تعليمه في الكتاتيب بمسقط رأسه بدر فدرس لدى خاله الشيخ عبد المطلب على الرديني ثم لدى الشيخ الشريف عبد الحميد محفوظ القرآن ومبادي القراءة والكتابة وعند فتح المدرسة السعودية الابتدائية في عام 1367هـ التحق بها وأتم دراسته الابتدائية بالمدرسة الناصرية بالمدينة المنورة فتلقى العلوم علي يد نخبة من المعلمين منهم حمزة قاسم مدرس اللغة العربية ومحمد حميدة مدرس التاريخ ومحمد طاهر مدرس الجغرافيا وخلافهم من فطاحل المعلمين في ذلك الوقت ونال الشهادة الابتدائية عام 1373هـ  .

حياته العملية :

            تحصل الشاعر على دبلوم اللاسلكي من مكة المكرمة بعد دراسته بالمدرسة اللاسلكية بينبع وتعين كمأمور مخابرة بالليث ثم  انتقل إلى المهد فالمدينة المنورة ثم عاد إلى المهد كمراقب لاسلكي وفي عام 1392هـ تم نقله إلى موطنه بدر وظل به مديراً للاتصالات حتى أحيل للتقاعد في عام 1415هـ وهو الآن يمارس التجارة والأعمال الحرة .

شعره ونثره :


            لقد اهتم مفرج السيد بنظم الشعر وكتابة المقالة والقصة القصيرة وبدأ ينشر إنتاجه الأدبي في الثمانينات من القرن المنصرم في مجلة المنهل الذي رأى صاحبها المرحوم الشيخ عبد القدوس الأنصاري بوادر شاعريته ومنها (( جحا في ضيافة جحا )) و (( الغرفة الخالية ))  .
            وللأديب مفرج السيد من الكتب الدواوين المطبوعة والمخطوطة :-
1-    فيض الأحاسيس صدر عن دار ثقيف بالطائف عام 1399هـ ثم أعيد طبعه في عام 1414هـ .
2-    رشة عطر صدر عن النادي الأدبي بالمدينة المنورة في عام 1418هـ .
3-    قصص وأساطير شعبية من منطقة المدينة المنورة ( بدر ووادي الصفراء ) صدر عن دار المفردات عام 1437هـ / 2015 م ، ط1 .
4-    بدر ووادي الصفراء .. عادات وتقاليد .. حكايات وذكريات ، صدر عن دار المفردات ، عام 1437هـ / 2015 م ، ط1 .
5-    الخبيتي .. أغاني الخبت ، صدر عن دار المفردات ، عام 1438هـ ، ط1.
6-    من شعراء الكسرة في وادي الصفراء ، دار المفردات ، 1438هـ / 2017 م ، ط1 .
7- شعراء الكسرة في الساحل الغربي ، دار المفردات ، 1440هـ / 2018م ، ط1 . 
8-    قنابل وسنابل مجاز من إدارة المطبوعات بالمدينة ولم يتم طبعه .
9-    أربعة دواوين أخرى مخطوطة هي بوح السنين وآفاق سامية وسحر وقصائد ليست للنشر .
10- كتاب مخطوط ( سوالف وسواليف ) جاهز للطبع . 
11- كتب مخطوطة أخرى :
 أ ) قاموس كلمات شعبية . 
ب ) الأمثال الشعبية في بدر  .
ج) بعض البحوث التي تم قمنا بجمعها ( محمد السيد ) في كتاب واحد أسميناه ( الموروث الشعبي في بدر ووادي الصفراء ) .

نماذج من شعره :

            لقد طرق الشاعر مفرج السيد شتى إغراض الشعر وطنيات وغزل ومديح ورثاء وخلاف ذلك من فنون الشعر ولكني سأقتصر هنا على ثلاثة أغراض من الشعر لدى الشاعر هي الشعر الوطني والغزل وشعر الوصف والطبيعة  .

الجانب الوطني من شعره :

            في الأثر حب الوطن من الإيمان والشاعر مغرم بوطنه حتى النخاع ومفهوم الوطن لديه يبدأ من مسقط رأسه مدينة بدر مروراً بوطنه الذي ينتمي إليه السعودية وانتهاءً إلى وطنه الشامل العربي الإسلامي
يقول الشاعر في قصيدة بعنوان ( ترنيمة للوطن ) :

لا حب قد كان في الدنيا ولم يكن ** في سالف العصر أو في حاضر الزمن
أحلى وأعظم من حب يهيم به ** طيفاً يرفرف في صحوي وفي وسني
أهواك في كل حالاتي إذا ابتسمت ** بيض الأماني وإن يغزو الكرى شجني
حملت حبك في هذى الحياة معي ** وسوف أحمل هذا الحب في كفني

إلى أن يقول :

حسبي إذا نهت فخراً أن يكون مدى  ** فخري بحبك في سري وفي علني
إذا سئلت رفعت الرأس في صلف ** وقلت هذا الذي فوق الذرا سكني

وفي قصيدة بعنوان { بدر } يخاطب مدينة بدراً التي تربض على أكتاف المجد والتاريخ قائلاً :

بدر

رافع الرأس شامخاً في القامة ** ووقار السنين يملو الهامة
ذاك بدر بمجده وعلاه  ** يومه اليوم قد زها أيامه
فوق هام العلا بدا يتراءى ** قد حباه الإله منه وشاقه
غرة في ملامح الفتح تكسو  ** قسمات الجبين طبع الوسامه
وعلى الثغر والشفاه تراءى ** للحاظ العيون طيف ابتسامه
وإذا ما استهل للحرب ذكر ** بان عند الخطوب وجه الجهامه

ويجرفه الشوق والحنين إلى طبية الطيبة حيث عاش بين ربوعها فترة في بداية دراسته فقال في قصيدة بعنوان { الحنين إلى طيبة } :

الحنين إلى طيبة

إلى بلد الرسول هفا فؤادي ** وأرقني مدى ليلي وسهادي
يحن لمنبع الإسلام قلبي ** لدار عاش فيها خير هادي
وطار بي الخيال على جناح ** من الأحلام قد منعت رقادي
تذكرت الدراسة كنت طفلاً ** ولكني شببت عن المهاد
وسل في الناصرية عن وجودي  ** وعن دأبي وجدي واجتهادي
وأضح أهل طيبة محض ودي ** لهم في العلم بيض الأيادي

وفي قصيدة بعنوان { مكة الإيمان } يقول :

مكة الإيمان

مكة قد شع بالوادي سناها  ** وازدهرت بالنور منها ضفتاها
ولد الهادي بها في عصر جهل  ** وظلام فيه تشكو من دجاها
وأتاه الوحي من رب البرايا ** فهدى الناس به نحو هداها

ثم يقول :

إيه يا أم القرى أي فخار  ** كوفود الحج قد ضافت إلها
عرفات الله قد ضمت ألوفاً ** خضعت لله شكلاً واتجاها
فهنيئا مكة الإسلام إنَّا ** نحو بيت الله أحنينا الجباها

وعلى نطاق الوطن العربي الواسع يقول الشاعر في قصيدة بعنوان { العرب } مباهياً ومفاخراً بمآثر قومه العرب :

العرب

سائلوا التاريخ عنا إن أجابا ** ذكر المجد الذي يعلو السحابا
إن قومي إن علمتم أو جهلتم ** رفعوا في ذروة المجد القبابا
حدث التاريخ عنهم من قديم  ** خبراً فذَّا وذكراً مستقابا
أمتي إن نسبت يوما لقوم ** فهي في العلياء أصلاً وانتسابا
يعرب العرباء أصلي ووجودي ** نسب بالذل يوماً لن يشابا

وبعد أن يذكر الكثير من مكارم العرب يختتم ملحمته قائلاً :

نحن من عشنا على الماضي زمانا  ** وبنينا الحاضر الزاهي خطابا
ننتقي من كل عصر ومكان ** خير ما في العصر نختار اللبابا
حدثوني هل رأيتم مثل قومي ** يملكون المجد إرثاً واكتسابا
ولا ينسى شاعرنا في غمرة الأحداث أن يعرج على قضية الساعة فلسطين الوطن الحبيب السليب فيقول مخاطباً القدس الشريف في قصيدة بعنوان { صرخة القدس } :

صرخة القدس

يـا قــدس يـا كـبـش الـفـداء وجـنة الوطن السلـيـب
مـالي أرى صـهـيـون تـنشر فـيك أحـزان الـمغـيــب
وتـزيـد وطـأتـها علـيـك بـمـيـسم الظــلـم الــرهـيــب
والـصـوت يـصـرخ بالـنـداء ومـا هنالـك من مجـيـب
إلا صـدى الأطـفـال نـادى جـئـت يا وطـني الحبـيـب

لينهي قصيدته قائلاً :

إنـّا بنو الـقعـقـاع والـمرقــال في الـعـهـد الـقـديـم
وابــن الـولـــيــد الــقـائــد الـفــــــــذ الـعــــظـيــم
وبـنـو صــلاح الــديــن في الـنسـب الـصـمـيــــم
والــــذل يـــأبـــاه الــكــريـــم ابــن الــكــريــــــم
ومــضـى الـخـنـوع فــلا عـبــيـــد ولا حــريــــم

وبعد توالي الأحداث يصرخ قائلاً في قصيدة تحمل اسم { رب إن اليهود } :

رب إن اليهود

رب إن اليهود عاثوا فسادا ** يقتلون البنات والأولادا
يقتلون الرضع في المهد بنتاً ** أو وليداً ويثكلون المهادا
والشيوخ الكبار كانوا ذكوراً ** أو إناثاً وما راعوا الأجدادا
والشباب النظير كالورد يزهو ** جعلوا الموت للشباب حصادا

ثم ينحي باللائمة على المجتمع الدولي الذي يسمع ويرى ولكن دون شجب أو نكران

وعيون الأنام ترنو إليهم  ** تشهد الاجتياح و الإضطهادا
ليس فيهم لفعلهم من نكير ** وكأن القلوب أضحت جمادا

ويحث العرب والمسلمين على الجهاد فيردف قائلاً :

يا بني العرب يا سلائل عمرو ** وصلاح ومن بنوا الأمجادا
ثالث المسجدين يشكو إليكم ** وفلسطين تطلب الإنجادا
أين حق الإخاء والدين منكم ** هل نسيتم مع الزمان الجهادا
فانهضوا للجهاد من كل حدب            ** فلقد ثاب للنداء المنادي

وهذه قصيدة بعنوان " كلهم محمد الدرة " ، لا يمكننا أن نقطع أو نقطتع جزءاً منها لأن موضوعها وسياقها مترابط ببعضه ، فلنسمع لها بإنصات :

كلهم محمد الدرة

لأجل عينيك جاء المجد يفتخر**يادرة قد زهت من نورها الدرر
غالتك صهيون طفلاً يا ابن اندلس ** أخرى وكم غيرها ضاعت لنا أخر
كشمير برما مع الشيشان تزهمنا ** لنا تنادي وما في الحي مبتدر
محمد ذلك المقتول علمنا ** أن الشهيد إذا ما مات منتصر
بطولة من دم غال يسطرها ** على جبين العلا والحق ينتحر
وأسلم الروح في أحضان والده ** ألقى على الصدر رأسًا وهو يحتضر
رصاصة بل رصاصات مدوية ** في رأسه الشامخ المرفوع تنفجر
يقول للوالد المحزون في ثقة ** عبارة حولها التصميم ينحصر
لا تخش يا والدي إني أنا رجل ** ودمعة الوالد المثكول تعتصر
هناك في القدس والأطفال قد نهضوا ** وكلهم للفدا أرواحهم نذروا
عزل ولكنه الإيمان سلحهم ** بالله والحق في أيديهم الحجر
كأن فيهم صلاح الدين ممتشقًا ** حسامه قال جئنا القدس يا عمر

شعر الوصف والطبيعة :


لشعر الطبيعة مجال واسع عند شاعرنا ولكن محدودية بحثنا وضيق الوقت يجعلنا نكتفي بمقاطع متفرقة من شعره في هذا الشأن وأول ما نراه أمام أعيننا قصيدة بعنوان " ليل القرية " يقول فيها :

ليل القرية

الشمس غابت واختفى الألق ** وبدا رويدًا يظهر الشفق
وبدت نجوم الليل طالعة ** ترنو كما ترنو لنا الحدق
والبدر وافى بعد آوانة ** كسبيكة يزهو بها الأفق
وبدت وراء السفح راعية ** في صحبة الأغنام تنطلق
وشياهها للحي آيبة ** بحليبها للحي مغتبق
وهناك راع غابه طرب ** لمجاهل الأجواء يخترق

وبعد أن يأتي على ذكر منظر القرية الجميلة في ليلها الهادئ ينهي شريط الوصف بهذه الأبيات :

ومضى قطار الليل منطلقًا ** حتى سجى وخلت به الطرق
السامرون بليلهم جمعوا ** في مجلس زانت به الحلق
والعاشق المشغوف في وله ** في لوعة الأشواق يحترق
ومسافر راحت مطيته ** يمتد بالحادي لها عنق
والهاجعون بنو مهم نعموا ** ما مر في أجفانهم أرق
حتى أطل الصبح مبتسمًا ** عن غرة بالنور تنبثق

ويذهب الشاعر في اجتلاء محاسن الطبيعة شتى المذاهب ، فهو في قصيدة يختار لها اسم " الصباح " يعطينا وصفًا للصباح بجميع مناظره الجميلة الفاتنة في فصل الربيع الآخذ ، يقول الشاعر في الصباح :
الصباح
أشرق الصبح ناديًا بساما ** وعلى الكون يبعث الأنساما
ناعمات الهبوت معتدلات ** تتهادى هناك غربا وشاما
في زمان الربيع والورد يبدو ** عاطر النفح يفتح الأكمام
قطرات الندى تذوب وتسقي ** غصن أوراقه وتحكي الغمام
وشذى الفل والرياحين يزكو ** شاب عطر الزهور نفح الخزامى
إلى أن يستطرد فيقول :
والنواعير صوتها يتوالى **مع ذاك البهاء يعطي انسجاما
ومضى عامل الحقول يغني ** وعلى نصفه يشد الحزاما
وهناك عدة قصائد للشاعر في وصف الطبيعة تستأهل أن استعرضها كاملة لأن عرض بعض أبيات من أية قصيدة لا يظهر جمالها كاملاً فهي كمثل العروس المجلوة التي لا يرى لمشاهد منها إلا أطراف بنانها ، وحيث أن المجال ضيق كما أسلفت .
 وأما في موضوع وأي موضوع يستوعب الحيز الأكبر من شعر الشاعر لذا فسأستكفي بعرض بعض مقاطع من قصيدة " الإشراق والقرية " :

الإشراق والقرية

أغسلي يا شموس بالمسحوق ** غرة الأرض من ضياء الشروق
ناصع في البياض والنور يزهو ** وتنام الحبوب فوق العذوق
يلثم النور جبهة الأرض يضفي ** فوق هام الجبال ومض البروق
حينما يصبغ الأزاهير طل ** كانتشار الدماء بين العروق

ثم يستطرد وبعد عدة أبيات :
ذاك في القرية الجميلة صيفًا ** أو ربيعًا وما أتت بعقوق
تنشر الخير بين حقل ومرج ** قد رعته الشياه خلف النوق
حتى يختم قائلاً :
قريتي في مرابع الريف تجثو ** في شموخ وعزة ووثوق

شعر الغزل والنسيب :


دون مقدمة أود أن أضع أمام المتلقي هاتين القصيدتين الجميلتين :

القرار الأخير

لا تسأليني قد أخذت قراري ** وأقولها جهراً ولست أداري
وأقول إني ألف ألف في الهوى ** مشدودة وهواه شد إساري
يهواه قلبي والعيون ومهجتي ** ودمي وأوردتي ودمعي الجاري
والعطر والمكياج حتى حمرتي ** والكحل في عيني وفي أشفاري([1])
وذيول فستاني وكم بلوزتي ** والفتحة العذراء في أزراري
وعبير منديلي ونفح غدائري ** وله تحن قلادتي وسواري
وله إلى تصفيف شعري منفذ ** وتغلغل لهواه في استشواري
ولحبه بدلت كل معارفي ** ولأجله غيرت لون شعاري
وأظل طول الليل أحضن صورة ** قبعت له في مخدعي بجواري
أفبعد هذا تسألين عزيزتي ** وأنا قطعت عليك درب حواري
واخترته إذ قال لي بصراحة ** هذا قرارك فكري واختاري

نزارية وأيم الله ، ولكن شخصية المفرج المستقلة وأسلوبه الخاص المميز بها واضح .

وقفة على الأطلال أو  صدى الألحان

أيها الحب الذي ولى زمانه ** وتوارى عن فؤادي عنفوانه
قبل ما يمضي من الحب أوانه ** أين مني في هوى الماضي حنانه
أيها الحب الذي قد راح عني ** سلب المقدور هذا الحب مني
كما تمنينا وما يجدي التمني ** ما لها لو حققت في الحب ظني
أيها الحب الذي صار حطاما ** أهرقت في ليله الكف المداما
وانطوى في ظلمته الليل الندامى ** وتلاشى الجو من نفح الخزامى
عادت الألحان في الدنيا عويلا ** تندب العهد الذي كان جميلا
وخليل في الهوى ضم خليلا ** قصر الليل وقد كان طويلا
يا صدى الألحان أين الحب أينا ** كيف ضاع الحب هذا من يدينا
كم على الأطلال نحنا وبكينا ** وانتهى هذا الهوى ثم .. انتهينا

بعد ذلك نستعرض مقاطع من قصائد غزلية أخرى :


عودة الحب

وعدت بعد ابتعاد ** في معبد الحب أجثو
جذبت قلبي بود ** ما حبله اليوم رث
ولست والله أدري ** في الحب ماذا أبث
أذلك العود حلم ** أم ذلك العود بعث
وفيه للجن مس ** أم فيه للسحر نفث

منديلك

منديلكِ الزاهي الصغير ** والعطر يملأ جانبيه
يرتاح عندك بالسرير ** كالطفل يحضن والديه
**
يا ربة الشال الحرير ** منديلك الغالي عليك
أنا ببعدي أغير ** لما يقبل وجنتيك

يا شعرك

يا شعرك الوهاج مثل الذهب ** كشعلة قد ماج فيها اللهب
أنَّى أتت أصناف تصفيفه ** فكل شكل فيه شكل عجب
والعطر أحلى العطر يزكو به ** يشرق فيه الأنف لا عن كثب
دعي عيوني ترتوي من شذى ** ومن شفاه أنضجت من عنب

**

عطرك

عطرك الراقي تهادى **  ليس مسكاً أو زبادا
إنه عطر جديد ** ضم أنواعا جدادا
من شذى باريس أو من ** نفح روما قد تمادى
فغزى للسوق يغري ** برؤى الحب العبادا
بثه فينا نسيم ** هب يجتاز البلادا
حين ذاب العطر شوقاً ** فوق جسم فيه نادى
وانتشى للشرق سحر ** وبسحر الغرب زادا

قال لي فستانها

قال لي فستانها المحظوظ حسبي ** ان حباني دون كل الخلق ربي
فانا بالقرب منها طول عمري ** وهي تحيا طول أيامي بقربي
نعمة محسودة من كل واش ** وهي أحلام نمت في كل قلب
كم ضممت الجسم منها في انتشاء ** وحضنت القد في شوق وحب
وشممت العطر منها دون عطر ** ومسحت العرق الزاكي بهدبي
ويزيد الفخر والإعزاز لما ** تسأل الخياط عني أين ثوبي

وقبل أن ختم بحثي ، أود أن أورد بعض المقاطع من القصائد الغزلية للشاعر ، ولكن بعيداً عن أدوات المرأة ومستحضراتها التجميلية .
 يقول مفرج السيد في قصيدة بعنوان " لا ترحلي أو شهنار " :

لا ترحلي ( او شهنار )


لا ترحلي يا طفلتي لا ترحلي ** وغرامنا طفل بعام أول
وانا حضنت الطفل لما جاءني ** وكأنه كنز اتاني من عل
وتلقفت كفاي بين أناملي ** ذاك الغرام بلهفة المستعجل
شهناز هل تتذكرين لقاءنا** في ذات ميعاد أغر محجل
وتكررت منا لقاءات غدت ** من أجمل تمضي بنا للأجمل
ولثمت كفك ذات يوم بالرضا ** وسكرت بين عبير تلك الأنمل
وغدوت لي حلم الحياة وجنة ** آوي إليها وحدنا في معزل
بالشعر مني غردت أطياره ** وتضوعت من نرجس وقرنفل
وحلمت يومًا أن صدرك ضمني ** وشفاهك العذراء كانت منهلي

ومن قصيدة بعنوان " أنت أرحم " يقول الشاعر :

أنت أرحم


في زرقة البحر من عينيك قد رحلت ** مراكب سيرها بالشوق مرهون
وشعرك التبر مجدولاً ومنسدلاً ** وما لذا التبر بتنقيب وتعدين
وصدرك المائج الريان تسكنه ** تلك التي لم تصورها المضامين
وجسمك المائس الريان صور لي ** بخطره كيف تنساب الثعابين

ومن قصيدة بعنوان " تراتيل " يقول :

تراتيل


أنت كالفجر كالصباح المنور ** كالشذى كالزهور نفح معطر
كالصبا كالفتون كالحلم يزهو ** في عيون كأنها عين جؤذر
كالمنى كاللقاء كالسحر يأتي ** من أفانين بابل فيك يسحر
كالرؤى كالخيال كالشعر يشدو ** في فم الملهمين من أرض عبقر
أنت كون من التماثيل بدع ** تحمل الحسن والبهاء المصور
وحقول من الرياحين فيها ** يعبق النفح والأزاهير تنثر
وقد تكون هذه القصيدة من ملامح الشاعر التونسي الراحل أبي القاسم الشابي ولكن سمات الشاعر ظاهرة فيها كالشمس في رابعة النهار .
وبعد فإن بودي أن أسترسل في العرض لأبرز كثيراً من قلائد الشاعر في الغزل وخلافه إذ أن هناك كمًّا كبيراً من شعر الشاعر في أغراض شتى يستحق أن يعرض ويقرأ ويدرس ولكن يكفي من العقد ما أحاط بالعنق وأرجو أن أوفق في عرض ذلك في مناسبة أخرى .

خاتمة


قبل أن أنهي هذا البحث المتواضع ، أود أن أوضح التالي :-
1- جميع القصائد الواردة في البحث جديدة لم تنتشر وقد تحصلت عليها من الشاعر بحكم قرابتي منه .
2- أرودت أشياء مجهولة من حياة الشاعر تلقيتها من فم الشاعر شفهياً أو رأيتها عن كثب لقربي وقرابتي من الشاعر وهي قد لا تفيد القارئ ولكن تفيد الباحث والدارس لانها من العوامل المؤثرة في مكونات الشاعر وشعره .
3-يقول الشيخ عبد القدوس الانصاري" لو أردنا أن نعطي شعره سمه خاصة لقلنا أن شعره من النوع السهل الواضح الممتع ذي الديباجة العربية الخاصة والروح العصرية الحديثة المتجددة " وذلك رأيي .



تمت









[1] الأشفار : رموش العيون أو أجفانها .

*****



ترجمة حياة

ولد مفرج فراج السيد بمدينة بدر التاريخية عام 1360 هـ من أسرة كريمة تنتمي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، ووالده أحد أعيان بدر ، ووالدته من أوائل من حفظن القرآن والحديث من أهل بدر .
وقد درس بالكتاتيب لدى خاله الشيخ عبد المطلب بن علي الرديني والشيخ عبد الحميد بن محفوظ الشريف ، وعندما انشاءت المدرسة السعودية بمدينة بدر في عام 1368 هـ التحق بها ، ثم التحق بالمدرسة الناصرية بالمدينة المنورة ونال شهادتها عام 1373هـ ، وقد درس على فطاحل المعلمين في ذلك الوقت منهم حمزة قاسم مدرس اللغة العربية ومحمد حميدة مدرس التاريخ ومحمد طاهر مدرس الجغرافية ومحمد حمدان مصري الجنسية مدرس القرآن الكريم والخط العربي ، ثم التحق بالمدرسة اللاسلكية بينبع لمدة سنة والتحق بعدها بالموجه بمكة المكرمة ونال دبلوم اللاسلكي من هناك .
تعين في عام 1378هـ كمأمور مخابرة بالليث لمدة شهر ثم نقل إلى المهد كمأمور مخابرة ثم نقل إلى المدينة المنورة ليعود إلى المهد كمراقب لاسلكي .
وفي عام 1392هـ نقل إلى مهبط رأسه إلى مدينة بدر كمراقب لاسلكي ، وفي عام 1408هـ وعند دمج إدارتي البرق والهاتف معا تحت مسمى الاتصالات تسلم الإدارة حتى أحيل للتقاعد في عام 1415هـ .
مارس هواية الشعر منذ صغره ونشر أول إنتاجه شعراً بمجلة المنهل عام 1383هـ وأسماه صاحب المنهل الشيخ عبد القدوس الأنصاري رحمه الله ، بشاعر الريف السعودي .
نشر شعره بمجلة المنهل وجريدة المدينة والبلاد والندوة وملحق الأربعاء الثقافي بجريدة المدينة ، كما أذيع شعره بالإذاعة السعودية والإذاعة الأردنية وإذاعة صنعاء والقسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية .
وأجريت معه مقابلات بالإذاعة السعودية والتلفزيون السعودي ، وكتب عنه الكثيرون منهم : الأستاذ محمد صالح البليهشي ، والأستاذ محمد مصطفى شراب ، والشاعر الكبير أحمد صالح قنديل رحمه الله ، وخلافهم .
ورد شعره في كثير من رسائل وأطروحات الماجستير والدكتوراة في الادب السعودي المعاصر ، وترجم له الشيخ الأنصاري في أحد أعداد مجلة المنهل عن الأدباء السعوديين ووردت له تراجم كثيرة في معاجم أدباء المملكة ، كما ترجم له في معجم البابطين الخاص بشعراء العرب المعاصرين ، كما وردت له ترجمة وقصائد مختارة في سلسلة قصائد مختارة من روائع الغزل عند الشعراء والخاص بالشعراء الخليجيين من ضمن شعراء المملكة ، هذه السلسلة التي أصدرتها الدار العربية للعلوم إعداد محمد بركات .
له من الداوين المطبوعة فيض الأحاسيس صدر عام 1399هـ عن دار ثقيف لصاحبها الأستاذ عبد الرحمن فيصل المعمر ، ثم أعيد طبعه مضافاً إليه بعض القصائد بما يضاهي حجم الطبعة الأولى ، وذلك في عام 1414هـ ، وله ديوان آخر هو رشة عطر صدر عن النادي الأدبي بالمدينة المنورة عام 1418هـ .
وله ديوانان معدان ومجازان هما : قنابا وسنابل ، وآفاق ساميه ، ودواوين مخطوطة منها : بوح السنين ، وسحر ، وكم كبير من القصائد التي لم تنشر ولم تدون .

نماذج من شعره

من القصائد الدينية التي اتسمت بالحق والضياء والنور ولكنها لم تر النور وهي لأنها لأول مرة تنشر :
العودة إلى الله

بصمات السنين فوق جبيني ** في طريق الفناء زادت يقيني
علمتني وكنت من قبل أدري ** وأنا الطين عودتي للطين
فعلى الماضي البهيج لأُسدلْ ** في الهوى والمنى ستار الحنين
ذهب اللهو والملذات عني ** وكأني ولدت مثل الجنين
عدت لله في الحمى بعد كر ** في شمال الحياة أو في اليمين
عفوك الله إنني عشت ردحاً ** في سراب الحياة أقفو قريني
وأنا عائد وقد جاء عودي ** في ثياب المطأطئ المستكين
من جنى ذنبه وما ثم عذر ** مثلما كان سابقاً كل حين
عفوك الله إنني عدت عبدًا ** تائبًا باكيًا بدمع سخين
فتقبل لتوبتي يا إلهي ** وارم عني صدى الزمان المشين
رب إني دعوتك اليوم صدقًا ** ولقد لذت في حماك الأمين

وللوطن موقع وله في القلوب تجيش به عواطف الشعراء ، ويظهر في أشعارهم ، وهذه قصيدة عانقت ذرى المجد واستنارت بسنى القيادة الرشيدة ، ولكن لم يتطرق لها نور النشر فهي بكر تتخايل على هذه الصفحة :

ترنيمة للوطن ([1])

لاحب قد كان في الدنيا ولم يكن ** في سالف العصر أو في حاضر الزمن
آحلى وأعظم من حب يهيم به ** مواطن راح يشدو في هوى الوطن
ترنيمة أنت يا حلم الحياة ويا ** طيفًا يرفرف في صحوي وفي وسني
هواك في كل حالاتي إذا ابتسمت ** بيض الأماني وإن يغز الكرى شجني
حملت حبك في هذي الحياة معي ** وسوف أحمل هذا الحب في كفني
يا موطني يا ذرا الامجاد كم بذلت ** كفاك للمجد والتاريخ من منني
وهب عبد العزيز الصقر ممتطيا ** ذؤابة المجد يبغي درة المدن
ومن سعود لقد أضفى على وطني ** فيضا من السعد والخيرات في قرن
وفيصل شق بالرأي الحصيف لنا ** دياجر الليل كالنبراس للسفن
وخالد الخير من عمت سماحته ** شرقا وغربا ومن شام إلى يمن
حسبي إذا تهت فخرا أن يكون مدى ** فخري بحبك في سري وفي علني
إذا سئلت رفعت الراس في صلف ** وقلت هذا الذي فوق الذرا سكني
فعشت في عزة قعساء أنعمها ** فهد وانعم به من فألك الحسني

**

الغزل هو العين الثروة الذي ينهل منه الشعراء وهذه قصيدة تغازل الهوى والجمال على استحياء منها ومنهما ولم تبرز للعيان على صفحات الصحف .

على الشاطئ السحري

بحرو هذا الساحل ** بكل حسن آهلْ
والبحر في أمواهه ** كأنها غلائلْ
زرق ومن أشعة ** للنور وهو مائل
من قرص شمس قد هوى ** للغرب وهو ذابل
وقد كست أثباجه ** من نوره سنابل
أو أنه التبر زها ** من الأصيل الرافل
والرمل في شطآنه ** في كل شط سائل
متل بساطٍ عسجدٍ ** يغوص فيه الجائل
هناك يبدو مركب ** إلى بعيد راحل
وهاهنا وهاهنا ** سرب ظباء جافل
كل مهاة أرسلت ** لحظًا سناه قاتل
مكحل وما جرت ** في عينه المكاحل
تغازل البحر كما ** لحسنها يغازل
وغابت الشمس وقد ** حل الظلام الشامل
إلا بقايا من سنى ** خيط ضئيل ناحل
وامتلأ البحر دمى ** عرائس مواثل
تلك الصبايا سبحت ** وأحجم القلائل
كي يبتردن من جوى ** فالصيف قاس قاحل
ونسي الناس هنا ** ما بثت المنازل
ومر ليل ساحر ** تحظي به العوائل
بلادنا في لهوها ** تسمو بها الوسائل

وهذه قصيدة غزلية أخرى تبحر من شاطئ الجمال والخيال لنسيج في عمق بحر المقل البابلية التي يغسل فيها الكحل .

الحب قد عاد

الحب قد عاد في دنياك يشتعل ** فعش كما كنت في ماضيك يا رجل
حورية من راء الغيب قادمة ** الشعر منها أتى بزهو به الغزل
ولامس الثغر أثمارًا مرطبة ** بالريق ما مسها عطر ولا عسل
أحلى من الشهد مجنيًّا لساعته ** وآعطر العطر ما بين اللمى ثمل
بقبلة قد أذابت كل عاطفة ** وراح منها الجوى المحموم ينتهل
على خيال من الأحلام أسعرها ** فكري وما ها هنا ثغر ولا قبل
وأعين في فضاء الكون سابحة ** والسحر من بابل جاءت به المقل
لم تشرب العين من كحل على ظمأ ** لكنه الكحل في الأحداق يغتسل
ووردة قد رمت من خير ما حملت ** على شفاه بها ورد الجنا خضل
وداعبت كفي الرعناء في وله ** من جسمها كل حسن فيه يحتفل
رفارف من خيالات مجنحة ** تطير بي في السنى يحلو بها الأمل
والآن ها قد أتاك الحب ثانية ** فاغنم فعمر الفتى في سيره عجل

والآن ها قد تجلت لنا القرية بإشراقها كالعروس المجلوه فلتعب من هذا المنظر الطبيعي الخلاب .

الإشراق والقرية

أغسلي يا شموس بالمسحوق ** غرة الأرض من ضياء الشروقِ
ناصع في البياض والنور يزهو ** وتنام الحبوب فوق العذوق
يلثم النور جبهة الأرض يُضفي ** فوق هام الجبال ومض البروق
حينما يصبغ الأزاهير طل ** كانتشار الدماء بين العروق
ورقيق النسائم العذب يهفو ** نحوه الغصن كالفؤاد الخفوق
وأريج الشذى يفوح زكيًّا ** بين زخم من الهواء الطروق
ذاك في القرية الجميلة صيفًا ** أو ربيعًا وما أتت بعقوق
تنشر الخير بين حقل ومرج ** قد رعته الشياه خلف النوق
ومضى العاملون كل يؤدي ** ما على جهده لها من حقوق
فهو بعد الصلاة للحقل يمضي ** سائقًا نفسه وغير مسوق
نام فوق الفراش وهو بسيط ** باكراً ما بأهله من فروق
كلهم يذهبون للنوم ليلا ** بعد فرض العشاء بعد الغبوق
ويبيع الجميع انتاج يوم ** طازجًا وافراً بعرض السوق
وترى البائعين في كل صدق ** عند شار من البلاد صدوق
قريتي في مرابع الريف تجثو ** في شموخ وعزة ووثوق

وأخيرا لنعش مع الجرح العربي لنخاطب الطفل محمد الدرة وننكأ جرح العراق الغائر .

كلهم محمد الدرة

لأجل عينيك جاء المجد يفتخر ** يا درة قد زهت من أجلها الدرر
غالتك صهيون طفلا يا ابن أندلس ** أخرى وكم غيرها ضاعت لنا أخر
كشمير بورما مع الشيشان تزهمنا ** لنا تنادي وما في الحي مبتدر
محمد ذلك المقتول علمنا ** أن الشهيد إذا ما مات منتصر
بطولة من دم غال يسطرها ** على جبين العلا والحق ينتحر
وأسلم الروح في آحضان والده ** ألقى على الصدر رأسًا وهو يحتضر
رصاصة بل رصاصات مدوية ** في صدره الشامخ المرفوع تنفجر
يقول للوالد المحزون في ثقة ** عبارة حولها التصميم ينحصر
لاتخش يا والدي إني أنا رجل ** ودمعة الوالد المثكول تعتصر
هناك في القدس والأطفال قد نهضوا ** وكلهم للفدا أرواحهم نذروا
عزل ولكنه الإيمان سلحهم ** بالدين والحق في أيديهم الحجر
كأن فيهم صلاح الدين ممتشقًا ** حسامه قال جئنا القدس يا عمر

الثالوث الجاني

جعلوا منك يا عراق فداءًا ** فتقمصت جلد كبش الفداء
صرخت في دمائك الأنا واستغاثت ** لك أو منك زاكيات الدماء
راح صدام ينبت الأرض زرعًا ** من خصام وثورة وعداء
ليس يعنيه في الوجود مرام ** غير نفس تنوء بالخيلاء
وعروق الحياة تنساب أرضًا ** وهي صنو الهواء صنو الماء
رئة الشعب والحكومة فيها ** وعليها تنفس الصعداء
ريق بوش تسيل للنهر يجري ** وهي كالتبر فتنة للرائي
زغللت عينه الدنانير تجبى ** من معين يفيض في الأرجاء
فسعى نحوها بشتى الدعاوي ** من يصد القوي في الإدعاء
كذب قصة السلاح وإفك ** قصة الغاب في الزمان النائ
حين رام الغضنفر الفظ ثورًا ** مزق اللحم منه كالأشلاء
وروى حجة من الوهم أوهى ** قويت بالبراثن السمراء
ورءوس الوحوش في الأرض تحني ** ذلة كالشعوب في الإنحناء
وأتت قشة العروبة جمعًا ** قصمت ظهرنا بكل ازدراء
لو قوينا بقوة الله كنا ** نتصدى لقوة الأقوياء
لغة العصر قوة وسلاح ** وهي ما لا تلين للضعفاء







تمت



([1]) هذه القصيدة نظمت في عهد الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله .



***************



مفرّج السيّد .. قراءة تاريخيّة – للأديب الشاعر خالد حسين الصبحي




كالعادة ،يوصلنا التسويف حالة انهيار السدّ ، أمام تراكمات الأفكار و الرؤى ، حتما ستكون – حينها - كتابتنا هروبا .
ماذا تعني تجربة مفرّج السيّد ببدر :
- أوّل شاعر طبع ديوانا شعريّا فصيحا ببدر عام 1399 هـ و آخر عام 1418 هـ ، و إلى اليوم لم يطبع شاعر سواه حسب علمي ، لا فصيحا و لا شعبيا .
- الشاعر المرتبط ببدر ، ارتباط النتيجة بالسبب ، خاصة بقصائد المناسبات .
 - الشاعر الوحيد – حسب علمي – الذي يكتب الفصيح ببدر على مدى حياته ، أضيف توصيفا لكلمة ( الوحيد ) : الجادّ في طرح نتاجه الشعري من الفصيح ، طباعة ً ، و كتابة ذاتيّة ، ربّما يكون هناك من يكتب الفصيح ، أو كتبه لكنّنا لم نقرأه ؛لأنّ صاحبه لم ينشره .
- الشاعر المتقدّم كصوت شعريّ ترحيبيّ لكلّ مناسبة ولكلّ ترحيب لزائر يحلّ ضيفا ًببدر ، خاصة زيارات الملوك أو ولاة العهد .
- من الشعراء المعدودين وطنيّا الذين دُرِستْ لهم قصائد في المدارس .
- شاعر الريف السعوديّ ( لقب من عبد القدوس الأنصاري ) و الأنصاري رمز وطني و مؤسس مجلة المنهل التي كان لها دور ريادي في حينها ، و قد ذكر الشاعر شيئا من تلك الفترة و إعجاب الأنصاري بشعره في مدونته .
- الشاعر الحقيقيّ في تعامله مع شعره ، بمعنى أنّه يأخذ الشعر على محمل الجدّ ، و ليس سلوانا أو تطريبا ،حيث يسدّ الشعر الثغرات الوجدانية و الفكرية و الروحية لمفرّج السيّد ، هذا ما أعنيه بكلمة جادّ ، أضفْ إليها مفهوم التطوّر و النمو من خلال الاطلاع ، وحسبك أن تقرأ له نثرا و شعرا لتعلم مدى قراءاته و خاصة التراثي منها ، و أذكر أنّي قرأت اسم ابن الفارض الشاعر المتصوف المصري الكبير ضمن تلميحاته نسيت موقعها تحديدا .
- كلّ هذا و ربّما أكثر، لم يكن صدفة ، أو نزوة ، أو ضربة قلم في ورقة ، بل كان نتيجة تفكير ، و اختيار طريق .
- إنّه الشاعر المتجذّر في بدر ٍ، و هي البلدة المثمرة فيه ، لخمسين عاما ، و لازال قلبه – أطال الله عمره – جمرة مبادئٍ و أخلاق ٍ ، ومحبة ٍ ، و قصيدة ٍتنتظره ليشعلها.
- ثمّ لا تنس – قارئي العزيز - المساهمة الرائدة أيضا ، في تجميع معجم الخبيتيّ ، و بحوث القصص الشعبيّة . إنّ هذه البحوث و التوثيقات تمثّل لبّ فكر الرجل ، و بها يمدّ ريادته البحثيّة لتوازي ريادته الشعريّة . و في نظري أنّها من أجمل ما سطّره قلمه الفذّ ، لا تقليلا من شعره ، بل انبهارا بدأبه على ملاحقة شجون بلدته ، التي كاد النسيان أن يطمرها ، و تفقد ذاكرتها .
- هناك ملاحظة جديرة بالاهتمام و هي قدرة مفرّج السيّد على التوازن النادر ، بين حاجات بدر لقصائد المناسبات ، و بين اخضرار دفتره الشخصيّ ، بمعنى أنّه ظلّ قويّا أمام إغراءات البلدة الماديّة ، فلم تسيطر عليه بمنافع شخصيّة ، و لم يُعرَف هو بطلبها ، و لو طلبها لقدّمت له على طبق من ذهب ؛ لندرته في مجتمعه، و حاجة المؤسسات له ، لكنّه ظلّ وفيّا لجرح الكتابة المستقلة ، مغنيّا للحبّ ، و الحزن ، و الوجود البشري المعقّد ، و الذي لا يعالجه مثل شاعر يشعر به
 - و الآن ؟
 كلّ البدريين يعلمون تاريخ شاعرهم .
- نعم . هو كذلك ، ما أريد قوله أنّي عندما أصفه بكلمة ( رائد ) فهو واقعا رائد ، مستحّق للريادة، و ليس في ذلك مبالغة .
- مفرّج السيّد ، رائد الشعر الفصيح و الشعبيّ و الكسرات ببدر، و جامع تراثها القصصيّ و معاجمها المغناة .
- لم ألتق به إلا مرّة واحدة في عام 1418هـ ، سنة طباعة ديوانه الثاني رشّة عطر ، المفتوح أمامي على مقدّمة رقيقة ، و سأعرض له  .
 - سلّمتُ عليه و عرّفت نفسي بشاعر شابّ يريد رأيك في شعره الفصيح ، ركب معي ، سرنا تجاه المفرق ، معه مجموعة من القصائد بخط يدّي يقرؤها بتمعّن .
- حييٌّ جدّا ً، متّقد العينين ذكاء ً، تشعر و أنت معه أنّ شيئا آخر يجاذبك إياه . ثمّ بساطة و هدوء و نبل و .. قال بأنّ القصائد جيّدة و شجّعني بالاستمرار ، و تحاورنا في مدارس الشعر خاصّة التفعيلة و قد كنت مندهشا و لازلت لأنّ شاعرا مثله لم يطلق حروفه في مساحة التفعيل ثم حرّيّات قصائد النثر اللانهائيّة .
- في طريق العودة سمّعته كسرة و ما كنتُ حينها من شعرائها و لا من شعراء الشعبيّ ، مباشرة قال : دع الكسرات ، الكسرة مكسورة ، ثمّ عاد يشجّعني بكتابة الفصيح .
- هذه القصّة ربّما كانت المؤثّرة في حياتي ، فلو جاملني و غشّني لبقيت مكسور الوزن و القلب و الجناحين حتّى الآن ، و لما بدأت السؤال ، و المحاولة ، و الاطلاع لكتابة ٍتحاول التجديد .
- كثيرا ما ترد في ذاكرتي ، وقفته ناظرا لشيء لا أراه ، في الأفق ، عند دوّار البلدية ، أو في رصيف المحكمة ، يسير مطرقا يحدّث الظلّ الذي قد لا يكون ممتدّا ، لأنّ الليل ساج ٍ، و لا ضياء سوى من الداخل ، الضياء الروحيّ الداخليّ ، ضياء الشجن الملحّ لتكلّم بلسان شاعره ، لحظة التجلّي الطيفيّ ، الارتفاع عن المادة ، نحو أفق المجرّد . يداه خلف ظهره ، في محيط وجهه ، و بين عينيه ، و مع استطالة جبينه ، تتماوج حروف و معاني و ربّما رؤى و أطياف خارج قدرتي على بلوغها.
 كنت أقول للأصدقاء إذا ذكر السيّد و هو كثيرا ما يذكر  :
مفرّج السيّد اجتماعيّا شاعر كامل . شاعر لا يتكرّر هنا ، ثمّ آخذ في شرح : كيف يعيش السيّد لحظة خروجه من منزله إلى مجتمعه شاعرا ، يمشي قصيدة حرّة الأوزان و متناسقة المعاني ، هنا ، في هذه النقطة بالضبط ، تكمن قوّة مفرّج السيّد ، في الوقفة التي اختارها ، على حافّة الشعر ، وحيدا ، في مجتمع لا شعريّ ، خاصّة الكتابة بالفصحى ، مجتمع قاتل للمواهب ، فقير معرفيّا ، فلا مكتبة ، و لا رفاق شجن ، إلا ما يقوله شعراء الكسرات ، بانفعالات عاطفيّة لم يكن لها ، ما كان لشاعر اختار طريقه لفظة واضحة ، و مشاها معنى أفقي السطور .
- أريد التعمّق في تأثير المجتمع الشعبيّ جدّا ، كيف استطاع السيّد مداراة شمعته الفصحى في تلك العواصف ؟
لماذا لم يجرفه تيّار الشعبيّ ، المرتفع أيضا لملاقاة الرياح بحروف معتق الشماسي مثلا ، رفيق درب مفرج السيّد ؟ إنّ تجاذب الأعمار ، و ترافق الألحان ، و الشجون الطويلة بينهما ، كانت ستنتهي ، و لابدّ ، إلى أن يجذب أحدهما الآخر إلى مدار شعره المغناطيسيّ ، و لكنّ ذلك لم يحصل ؟ فقد ظلّا ، محلّقين ، يجاوب أحدهما الآخر ، تأكيدا على الصمود في المسافة ، ليحرّك الصوت الصدى ، و يجدّد الصدى الصوت.
- لماذا ؟ لأنّهما شاعران خارج الغلاف . و كفى .
- الغلاف قيد في خامته الأولى ، الغلاف الرسميّ ، الاجتماعي ، اللفظي ، الاقتصادي ، و هما معنيان حرّان داخليّا . - إنّ مقدّمة ديوان شاعرنا الكبير تشير إلى زمن كانت فيه الحياة بسيطة أو لم تصل إلى تعقيداتها الحاليّة .
- إنّنا لكي نفهم أكثر، تجربة مفرّج السيّد ، و كيف ظلّت متمسّكة بهذا النفس الرومانسي الحزين ، مع تطلّعها إلى واقعها المتطوّر؛ يجب أنّ نفهم جيّدا أنّ شاعرنا نضج روحيّا و فكريّا ، وبالتالي نضج شعريّا مع هذه البلدة الصغيرة ، مع بدر ، حيث البدايات دائما و في كلّ مجال و بأيّة صيغة تجيء بسيطة ، معبّرة عن طفولتها ، و طفولة مجتمعها ، هذا شاعر عاصر بدرا و هي فراغ صحراويّ ، كثبان محيطة ، و منازل صغيرة متفرقة ، بينها مسارب السيول الصغيرة و أشجار البراري ، ثمّ و مع نموه تنمو هذه البلدة ، شيئا فشيئا ، تُشقّ الطرق و تبنى المدارس ، و المؤسّسات الحكوميّة ، و تتّضح ملامح الأحياء ، و تنحسر الرمال بتوسع البناء ، و قدوم النازحين من كلّ مكان حول بدر إلى عمقها ، كلّ ذلك سيكون و لابدّ منعكسا في شعره ، فتبدو فيه حميميّة اللقاءات ، و تناجي العشّاق ، و الغناء لهذه البلدة في وطنها الكبير ، مع القفزات التنمويّة المتلاحقة . قد لا نفهم نحن من الأجيال التاليّة ذلك ،  و يبدو في قصائدنا نفس نقديّ لأوضاعنا ، و ما نعيش فيه ، غير أنّ ذلك يصبح ظلما ؛ لو طلبنا من شاعرلحظة مفرّج السيّد ، اللحظة البنائيّة ، لحظة التكوّن ، لو طلبنا أو توقّعنا منه نظرة مثل نظرتنا ، بل على العكس تماما ، إنّ الإنسان في تلك الأزمان كان يعيش فعلا نقلة تاريخيّة سريعة خاطفة ، تجعله بين مصدّق و مندهش قرب التصديق ، ثمّ يجب تغطية كافّة مناحي الحياة بتلك الروح البسيطة ، حيث لا تعقيد ، في كلّ شيء ، في السوق و في المسجد و في الغناء و الشعر ، مرحلة الطفولة هي مرحلة الشاعر مفرّج السيّد بامتياز ، طفولة مجتمع الشاعر هي طفولة شعره بالضرورة ، فالشاعر ابن بيئته كما يقال كثيرا .
- إنّ نظرة واحدة على عناوين قصائد ديوانه رشة عطر ستكشف ذلك الأثر الرومانسي الشفيف ، و الاحتفال بالحياة الجديدة ، بلحن غنائيّ رقيق ، و الشاعر يشير في مقدّمة الديوان المكوّن من ستين قصيدة فصحى ،و هي مقدّمة رقيقة و عفوية و عميقة في ذاتها ، يشير هناك إلى أنّ الديوان غزليّ ، و أنّ العنوان متأثر ببيعه العطور في تلك المرحلة من تجربته الثريّة ، إنّ الإشارة إلى اقتصار الديوان على الغزل مبرّر، بسبب اشتهار الشاعر بالوطنيات ، و العروبيات ، كقصيدته التي دُرّست عن فلسطين في المرحلة الابتدائيّة .
- ربّما يجدر هنا ، الحديث عن الوطنيّات ، و قصائد المناسبات ، و محاولة فكّ المغزى ، لجيل شعريّ فصيح ، لا يرى لقصائد المناسبات وهجا عاطفيّا و بالتالي شعريّا حقيقيّا .
 - يجب بالتالي دراسة محيط الشاعر لنعرف لماذا قال تلك القصيدة ؟
المحيط السياسي ، و الاجتماعي ، و المعرفي ، و النفسي السلوكي .... الخ . ببساطة لأنّ هذا المحيط سينعكس لا إراديّا في شعر زمنه ، و نفسيّة شاعره ، هل تتوقّع أن يكتب نزار قباني مثلا زيديني عشقا لو رأى سوريا اليوم ؟ الإجابة هنا مدرسة نقديّة بذاتها .
و حتّى أختصر - و لا يشعر القارئ الملول بالملل – نستطيع أن نرى ، أنّ الشاعر مفرّج السيّد كان كلمة بدر ٍ في تلك الفترة و لا زال ، بالبلدي ملزم بالقول باسمها ، لأنّه الوحيد ، ملزم أدبيا ، و بما عرف عنه من حياء لا يرفض معه أي طلب ٍ يقدّم له ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، هذا الولع ، و الحبّ الدافق من الشاعر لبلدته ، هو ما دفعه لسدّ الثغرات الشعريّة ، و السعي لبياض وجهها ، أمام زائريها ، فبقدر ما كانت قصائد المناسبات حملاً معرفيّا على الشاعر ، بقدر ما عطف الشاعر على بلدته ، و كتب لها لكيلا تبدو أقل من غيرها ، على أقل تقدير. ثم أنّ التغنّي الذاتيّ بالوطن و البلدة – بدر – في غير مناسبات ، مبرّركما قلنا سابقا ، بحكاية النمو المتوازي بين الشاعر و البلدة الصغيرة ، والوطن الكبير ، فلم يكن مفرّج السيّد مضطرّا أو مجبرا على قصيدة وطنيّة أو بدريّة ، إن لم تكن تعبّر بل و تفيض بأحاسيسه تجاههما . و قد عثرتُ في مدونته ، على قصائد وطنية من عناوينها تشرح علاقة كتابته لها خذ مثلا :
قصيدة " ترنيمة للوطن " بمطلع عشقيٍّ ، ذاتيٍّ ، حقيقيٍّ يقول :


لا حبّ قد كان في الدنيا و لم يكن ِ
في سالف العصر أو في حاضر الزمن ِ
أحلى و أعظم من حبّ يهيم به
مواطن راح يشدو في هوى الوطن ِ


إنّه مواطن ، يشعر بهذه اللفظة ، لفظة مواطن ، و يشدوها شعرا ، بل هو لا يشدو مباشرة ، إنّما يروح يشدو ، يسير الشدو ، يتعمّق فيه ، خارج منه بعد طول مسافة ، فقد سكن في لفظة مواطن ، بعد طول ترحال في لفظات قبيلة ، بادية .... إلخ . ثمّ إنّه هوى الوطن في قلب شاعر محبّ ، و استمع له يعرض شيئا من علاقته بهذه الوطن مكملا قصيدته :

ترنيمة أنت يا حلم الحياة ويا
طيفاً يرفرف في صحوي وفي وسني



أهـواك فـي كــل حـالاتـي إذا ابتسـمـت     بيض الأماني وإن يغزو الكرى شجني
حملـت حبـك فـي هــذى الحـيـاة مـعـي       وسـوف أحمـل هـذا الحـب فــي كفـنـي



ثم نقرأ قصيدة ( بدر ) بمطلعها التاريخيّ المنتصر :



رافع الرأس شامخاً في القامة   ووقـار السنيـن يملـو الهـامـة

ذاك بـدر بمجـده وعــلاه   يومه اليوم قد زها أيامه

فوق هام العلا بدا يتراءى  قد حباه الإله منـه وشاقـه

غرة في ملامح الفتح تكسـو   قسمات الجبين طبع الوسامه

وعلى الثغر والشفاه تراءى  للحاظ العيون طيف ابتسامه

وإذا مــا استـهـل للـحـرب ذكــربان عند الخطوب وجه الجهامه
بلد مبتسم سلما ، متجهّم حربا ، مبتسم حاضرا ، متجهّم في غزوته الفاصلة ضدّ المشركين . إنّها انعكاسات التاريخ العميق ، في مرآة الواقع الآني ، هو شاعر البسمة الحاضرة ، و متحسّس جهامة الحرب التاريخيّة ، و أيّة شاعريّة لشاعر بدريّ لا يحاول مخاطبة التاريخ .
- إنّ مفرّج السيّد يقرأ التاريخ واقعيّا ، إيّ بارتداد الحياة الواقعيّة المجتمعة في بؤرة التاريخ ، لذلك يصدقُ بلدتَه حبَّه و ترانيمَه.
 - ثم هو مدرك لمحيطه الحجازيّ العريق ، الحجاز بحرميه المقدّسين ، و مدينتيه العريقتين ، الخالدتين ، لا يتركهما الشاعر الحجازيّ دون التغنّي بهما ، و دائما بذات النفس الرومانسي يقول في قصيدة " الحنين إلى طيبة " :


إلى بلد الرسول هفا فـؤادي    وأرقني مدى ليلي وسهادي

يحـن لمنبـع الإسـلام قلبـي     لدار عاش فيها خير هادي

وطار بي الخيال على جناح    من الأحلام قد منعت رقادي

تذكرت الدراسة كنت طفلاً    ولكني شببت عـن المهـاد

وسل في الناصرية عن وجودي     وعـن دأبـي وجـدي واجتـهـادي


هفا ، فؤاد ، أرق ، ليل ، سهاد ، منبع ، قلب ، خيال ، أحلام ، طفل ، وجود . أيّة رومانسية تكلّل شعر هذا الشاعر الرائع ، إنّه يخلط الرومانسيّة بالتاريخ خذ مثلا : رسول ، إسلام ، يحنّ ، خير ، دار ، هادي ، تذكرت ، اجتهاد .... يغمس التاريخ العريق في الرومانسية الحاضرة ، و يبثّها بألق ٍشعرا معبّرا ، عن جيله ، و بلدته ، و ذاته .
وفي قصيدة بعنوان { مكّة الإيمان } يقول:



مكـة قـد شـع بالـوادي سنـاهـا     وازدهرت بالنور منها ضفتاها

ولد الهادي بها في عصر جهل      وظـلام فيـه تشكـو مــن دجـاهـا

وأتاه الوحي من رب البرايا     فهدى الناس به نحو هداهـا


ثم يقول  :



إيـه يـا أم القـرى أي فخـارك    وفود الحج قد ضافت إلها

عرفات الله قد ضمت ألوفاً       خضعـت لله شكـلاً واتجاهـا
فهنيـئـا مـكـة الإســلام إنَّــا    نحو بيت الله أحنينا الجباها


يبدو هنا تأثّر الشاعر بحسن عبدالله القرشيّ ، شاعر مكّة الشهير ، في قصائده المكيّة المدروسة ، مما يشير إلى مطالعة الشاعر لجيله السابق ، و تراكمه المعرفيّ ، فالإبداع الإنسانيّ تراكمي بالضرورة ، بل الحقيقة – و هنا سرّها – تبدو لي تراكميّة بامتياز ، تحمل في ذاتها الممتدّة تناقضات الإنسان بمداه الطبقيّ القصير .
ربّما أكون قد وقعت في تناقض بين محبتي لرمزنا الشعري مفرّج السيّد ، باعتباره شاعر الفصحى الصامد بها ، العامد لها ، المتغنّي بها ، و بين قصائده الوطنيّة و قصائد المناسبات ، التي أخذتها عليه في فترة معيّنة ، و عليه فقد قاد التفكير و التأمل ، لاتهام النفس بالتقصير ، في إدراك ذلك التناقض ، و لعلّ فرحتي بتحليل دوافع تلك القصائد لا تضاهيها فرحة.
نقول بعد الاستطراد ، أنّ السيّد شاعر عروبي ، ينشد لعروبته ، و لفلسطينه المغصوبة من اليهود ، و هو في ذلك صورة حيّة لزمنه و واقعه ، و هو المعايش للحروب العربية باعتبار مولده في منتصف الأربعينيات الميلادية ، و من منّا كعرب لم تلحقه تلك الكارثة ، و الانتكاسات المتتالية حتّى يومنا هذا .
 - أضف إلى ذلك ما رآه و لمسه في عمله في البرق و الهاتف ، بمرحلة البدايات من انبهار المجتمع في خروجه من الترحال البدوي ، إلى استقرار المدن ، و البلدات الصغيرة ، و قد سجّل ذلك أو شيئا منه في مدونته الرائعة التي أرجو من الجميع متابعتها و الاستفادة مما فيها ، كما أتمنّى من أصدقائنا في ملتقى بدر عمل رابط لها لفائدتها العظيمة و هي على هذا الرابط :


http://mdmfr.blogspot.com/p/blog-page_1.html

إنّ ما أعنيه بأهميتها يبرز هنا ، كالتوثيق الحياتي لبدر ، ألا نسأل أنفسنا : لم اهتم شاعر كمفرّج السيّد بتوثيق مثل هذه الأمور ، و أنا أنقلها نسخا من مدونته الجميلة :

" التلفزيون السعودي يبث على نظام الأبيض والأسود وفي عام 1397هـ رأينا البث التلفزيوني السعودي "
" وصلت الكهرباء إلينا في حوالي عام 1392هـ وكانت عبارة عن كهرباء أهليه بمواطير وبدأ الناس في تسليك البيوت "
في مثل هذه الحالة ، نحن أمام شاعر مهجوس بالبلدة ، يريد أن ينقل ما رآه و عاشه ، للأجيال القادمة ، و هو بلا شكّ عالم و عارف بأهمية مثل هذا التوثيق ، و سيعلم الأجيال القادمة أهميته عندما يخبرهم به شاعر ، كمفرّج السيّد .
 - في ديوان رشّة عطر الرومانسي بامتياز ، ما يمكن اعتباره مدوّنة عشق ، و لوعة و قدر محبّة ، و هذه العجالة ليست دراسة لكامل الديوان و بيان صوره و جمالياته ، بل هي أقرب لإشارة بسيطة تجاهه ، و تجاه أهميته . و أول ملاحظة ربّما تماهي الشاعر مع مدرسة أبوللو المصرية و روادها أحمد زكي أبو شادي و إبراهيم ناجي و الهمشري المتوفى صغيرا بقصيدته الرائعة :


كانت لنا عند السياج شجيرة        ألف الغناء بظلها الزرزور


حيث تكثر ألفاظ التشكي من الهجران ، و التماس الطبيعة كمتنفّس لمشاعر الشعراء ، يقول في قيصدة " عيناك فيروزتان  : "


في عمق عينيـك قـد أزمعـت إبحـاري        في لجة الماء يمضي زورقي الجاري

بــلا دلـيـل و لا نـجــم أسـيــر بـــه     قد حطّم اليأس مجدافي و منظاري


إنّ النفس الرومانسي لا يخفى على مطّلع ، يشتم رائحة الزهور ، و الأشواق ، و الطبيعة و البحار ، و الأنغام ، و كلّ ذلك مبثوث في هذا الديوان الجميل .

خاتمة :


- لا تعتبر هذه الكتابة مدحا أو وصفا غير واقعي ، فالنقد أعلى من المجانية .
- هذه الورقة تعطي للشاعر مفرّج السيّد بعض حقّه الذي حرم منه زمنا طويلا ، و خير ما يُكرم به شاعر مثله ، هو العكوف على إنتاجه ، و قراءة معانيه ، نقدا علميا ، يجلو أهميته للمجتمع .
- كانت الورقة ستشمل الشعر الشعبيّ و الكسرات من شعر مفرّج السيّد و هو جانب مبهر عنده ، لكنّ خوف الإطالة ، ثم خوف التأخر في طرح الورقة جعلها تقتصر على ما كتب

- في القراءة تقاطع نقديّ واضح بين مفرّج السيّد ، و معتق الشماسيّ ، كشاعرين عاشا القصائد قبل كتابتها .
- لا وعد بإتمام القراءة بينهما ، و لكنّ الفكرة مطروحة يتجاذبها الوقت و الفراغ .
 - مفرّج السيّد في هذه الكتابة أعمق من كاتبها ، بسبب أنّ الكتابة ليست شاملة ، و يعوزها الكم ، و التنسيق النقديّ .
- هذه الورقة عتبة بسيطة لجميع المهتمّين ، بشاعرنا مفرّج السيّد ، لتدوين علاقتهم به ، قراءاتهم لقصائده ، كسراته ، شعبيّاته ، جهده التوثيقيّ ، سواء في نفس الموضوع ، أم في مواضيع مستقلّة .
- قد يكون في هذه الكتابة أخطاء نقديّة أو معرفية ، أسعد بنقاشها و تجاذب أخطائها مع الجميع .
- لمفرّج السيّد حقّ معنوي ، و ماديّ ، و أدبي ، بالتكريم ، من المحافظة ، و النادي بقسمه الثقافي ، و المجتمع بأكمله ، فقد حفظ هذا الرجل ذاكرة البلدة ، بل هو وجدان بدر النابض بحبّها .
 - قد يغضب هذا الطلب – السابق – شاعرنا ، و لكن أقول : يجب على النادي فورا ، التوجّه لمفرّج السيّد ، و التنسيق معه ، لطباعة كلّ ما هو جاهز عنده ، و أظنه كثير جدّا ، و رائع جدّا جدّا .
- كتبت هذه الورقة بدون أيّة معرفة أو اتصال بموضوعها الشاعر مفرّج السيّد ، و هي تحيّة تلميذ لأستاذه .
- لقد قفز مفرّج السيّد شابّا قفزة الريادة ، في قلب العتمة حتّى أضاء ، وظلّ صامدا كقنديل ، حتّى استأنس الشعراء به ، و التفّوا حوله ، و على الجيل الجديد ، القفزة التالية . هل قلت هذه الجملة من قبل ؟ ! . هل كرّرتها ؟ كان من الجيّد قولها ، و من الواجب تكرارها .

- أوّل درس تعلّمته من الشاعر مفرّج السيّد هو التواضع ، لا عمالقة في الشعر ، الشعرهو الأفق و الشعراء معاني تتطاير هنا و هناك لتنير الوجود .
- إذا رأى المشرفون الكرام ، أبو وجدي ، أبو مشاري ، نقل الموضوع للصحيفة كمقال ثقافي بنفس العنوان ، لتعمّ الفائدة ، فلهم شكري .
شكرا مفرّج السيّد ، شاعرا ، رائدا ، موثّقا ، و مؤرّخا للجميع بلا استثناء تحياتي و تقديري .



1/1/1435 هـ



المراجع 


- رشة عطر ... مفرج السيد / نادي المدينة الأدبي 1418 / 1997
- مدونة شاعر الريف السعودي مفرّج السيّد http://mdmfr.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كسرات 2-1-1440هـ

كسرات 2-1-1440هـ قلب العنا لا غدا تلفان مثل العظم ما قبل تجبير دمع الأسى حَجَّر الأجفان والشعر يعجز عن التعبير ** نَفِّسْ ع...