الناحية العلمية في بدر ووادي الصفراء
لم تخل بدر وما جاورها كالجار وغيرها من الرواة
والعلماء ، فمن رواة الحديث من الصحابة € ممن
سكن بدرا أبو مسعود البدري ( ت 40 هـ ) ، وقد روى عن الرسول ‘ وسكن في الكوفة فيما بعد ، وسعد بن إياس الانصاري
البدري أدرك الرسول ‘ ولم يسمع
منه وهو يروي عن أبو مسعود البدري أيضًا ويروى عنه .
وتذكر كتب المعاجم من بعض الرواة والذين سكنوا
في الجار او نسبوا لها خلال القرون الهجرية الثلاث الأولى ومنهم سعد بن نوفل
الجاري والذي عينه عمر بن الخطاب على الجار ، وأبنه عبد الله الذي روى عن أبيه
تعيين عمر بن الخطاب له وأخيه عمرو وعبد الرحمن أبناء سعد الجاري ([1]) .
ومنهم
عمرو بن سعيد الجاري مولى عمر بن الخطاب ¢ ذكره البخاري في تاريخه الكبير ([2]) . وعمر بن راشد الجاري مولى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان كان ينزل الجار
قيل أنه يضع الحديث على مالك وابن أبي ذئب ([3]) وقد أورده الذهبي في طبقة وفيات العقد العشرين من القرن الثالث عشر ( 220 هـ
) ([4]).
ويحيى
بن محمد الجاري روى عنه الزبير بن بكار ([5]) .
ويحيى
بن أحمد المديني الجاري من موالي بني الدؤل من الفرس من أهل المدينة كان بالجار
زمانا يتجر ثم سار إلى المدينة ، ولعله نفسه يحيى بن محمد الجاري فقد ذكره ابن
حبان في المجروحين وسماه يحيى بن محمد الجاري وذكر أنه ينفرد بروايات ([6]) .
وعيسى
بن عبد الرحمن الجاري ضعيف .وعبد الملك بن الحسن الجاري الأحول مولى مروان بن
الحكم يروي المراسيل سمع عمر بن سعد الجاري وروى عنه أبو عمر العقدي ([7]).
ولا يرد الكثير عن أعلام من بدر في القرون التالية وإن
مر بها بعض الرواة والأعلام ومن ذلك ما يرويه الخطيب البغدادي
وذلك في حديثه عن عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ أبو محمد الأنصاري ، قال : (
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر بن عبد الرحمن المصري – ببدر بعد حجنا
ونحن عائدون إلى المدينة ) ([8]) .
كما كان بها أحمد بن عمر بن انس العذري
الاندلسي ( 393 هـ - 478 هـ ) صاحب كتاب " نظام المرجان في مسالك البلدان
" في سنة 414 هـ ([9]).
لا تسعفنا المراجع والمصادر بالكثير عن العلم والأدب
في بدر في القرون التالية إلا أنها تورد بعض الأسماء الذي يحملون شيء من العلم في
القرن السابع الهجري ، مما يدل على أن المنطقة لم تخلو من التعليم في تلك الفترة
بدليل ظهور بعض التراجم في كتب الطبقات .
ومن الرواة الذين ينسبون إلى وادي الصفراء عبد الرحمن
بن عبد المجيد بن إسماعيل المعروف بأبي القاسم الصفراوي نسبة إلى وادي الصفراء ،
ويبدو انه قد ولد في تلك المنطقة ثم سكن الإسكندرية وله مؤلفات منها الإعلان
وغيرها وكان له رئاسة العلم وتوفي سنة 636 هـ ([10]) .
وقد ترجم التقي الفاسي اسم لظهيرة بن حسين القرشي
المخزومي وذكر أنه روى له بوادي الصفراء بين مكة والمدينة شيئًا من الأربعين
التساعية لابن جماعة كما سبق أن ذكرنا ، وقد يكون اجتماع ظهيرة المخزومي بابن
جماعة بعد أن مر ابن جماعة ببدر أو في أحد قرى وادي الصفراء .
وقد سمع محمد بن علي بن محمد الهلال اللبيسي المكي
الشهير بابن النحاس ( ت 867 هـ ) بوادي بدر من درب الصفراء على القاضي جمال الدين
ابن ظهيرة وزوجته زينب بنت القاضي أبي الفضل النيوي " الحديث المسلسل
بالأولية " بسماعهم من التوزي عن ابن الحميري بسنده .
ومنذ القرن الثامن تسجل كتب التاريخ عدداً من وفيات
الأعلام ببدر ووادي الصفراء ، وقد توفي ببدر في القرن الثامن أبو الحسن علي
الواسطي ( ت 733 هـ ) وهو في طريقه للحج ودفن ببدر عند الشهداء ، ومثقال الساقي من
رجال المجاهد صاحب اليمن وقد توفي ببدر سنة 791 هـ في آخر ذو القعدة طالبًا للحج .
وممن توفي بالصفراء عمر بن يوسف البالسي المؤذن اشتغل
بالحديث ومهر فيه ، ومات بوادي الصفراء متوجهًا إلى مكة في أواخر ذو القعدة سنة
801 هـ .
وممن توفي بالجديدة في سنة 803 هـ الصوفي المشهور عبد
الرحيم بن أحمد البرعي وهو متصوف من اليمن عرف بمدائحه للرسول ‘ ،
وقد نسب الخيف له فقيل خيف البرعي .
وممن توفي ببدر ودفن بها بشير بن سعد الدين التيمي
الطواشي شيخ الحرم النبوي الشريف ( 834-839 هـ ) وقد مات أواخر سنة 840 هـ وهو
متوجه لمكة ودفن ببدر .
وممن توفي بالجديدة بوادي الصفراء أحمد بن أسد بن عبد
الواحد أبو العباس بن أسد الدين أبي القوة الاميوطي مات وهو راجعًا من الحج ودفن
بالقرب من أحمد القروي المغربي بالجديدة توفي سنة 872 هـ. .
وممن توفي ببدر حسن بن علي الشهير بالحنبلي الشافعي
القادري من أهل حلب كان والده طباخًا وقد توفي ببدر ختام ذي الحجة سنة 1140 هـ
ويبدو أن وفاته ببدر في رحلته للحج .
وهكذا يتضح أنه في القرن الثامن والتاسع الهجري كان
هناك ما يدل على وجود حراك علمي في بدر ووادي الصفراء كان ظاهرًا في قرية الصفراء
بشكل خاص وبعض القرى الأخرى كبدر والجديدة .
وتوضح لنا النقوش والتي بدأت تظهر من هذا القرن العاشر
على جبال بدر أن بدرًا لم تخلوا من المتعلمين ، زيادة على ذلك الحجج والوثائق التي
تعود إلى تلك الفترة وما بعدها في القرن الحادي عشر والقرون التالية تؤكد أن بدر
لم تخلو من الكتاب المتمرسين المجيدين لفن الكتابة .
كما أن الرحلات التي مرت ببدر ازدادت منذ القرن العاشر
والقرن الحادي عشر والثاني عشر ، وربما قد ساهمت في نشر شيء من العلم ومما يدل على
ذلك ما يورده ابن طولون في رحلته التي بدأ بها في سنة 920 هـ من أن الشيخ جمال
الدين أبو المحاسن يوسف القاضي كان يفرد للحجاج في معظم منازل الحج مجلسًا علميًا
يذكر فيه جزءًا حديثيًا من مروياته وقد بلغت سبعة وخمسين مجلسًا علميًا على الدرب
الشامي ومن بين هذه المجالس السادس والثلاثون : مجلس وادي بين سالم ولم يختمه بشيء
من النظم ، والمجلس السابع والثلاثون : مجلس وادي الصفراء وختمه بشيء من النظم ،
والمجلس التاسع والثلاثون : مجلس " وفاء النذر لبلوغ بدر " وختمه بأبيات
من نظمه ([11]) ، ورغم أن النص يذكر أن هذا العالم يقيم للحجاج هذه
المجالس فلا يمنع أن يرتد هذه المجالس بعض أبناء المنطقة ، والحقيقة ، اننا لا
نعلم أين أقيم هذا المجلس في بدر ولكن نرجح أن هذا المجلس في الغالب في مسجد
العريش .
ويظهر أن النشاط التجاري ربما قد ساهم في ظهور في شيء
من الحراك العلمي ولو بسيط في المنطقة ، فقد سكن بعض سكان المدينة المنورة في
بالصفراء وعملوا في التجارة ومنهم عبد الله بن محمد أفندي من بيت بالي السجادجي
وقد توفي سنة 1156 هـ ، ومحمد تقي ين إبراهيم المزبور من بيت البكري سكن وادي
الصفراء وتوفي سنة 1152 هـ ، وحسن بن مكي المزبور وكان أيضًا من الذين يعملون
بالتجارة وتولي أمين ينبع سنة 1132 هـ وقد سكن وادي الصفراء ، ومن الذين سكنوا في
الصفراء محمد المزبور من بيت المحمدي من المغرب اشتهر بجمع المال وقد تزوج من أهل
وادي الصفراء ، ومن الذين يتاجرون بالخيف ووادي الصفراء عبد الرحمن بن محمد
السليماني من بيت بلاخي وكان يتردد كل حين إلى الخيف ووادي الصفراء يتعاطى البيع
والشراء وتوفي سنة 1191 هـ ، وورود أسماء هؤلاء في كتب التراجم يدل على أن هناك
تواصل بين هؤلاء وغيرهم من بعض أعلام المنطقة وتبادل معرفي غير معروف من قبل ،
ناهيك عن أن القرن الثاني عشر استقبلت بدر ووادي الصفراء العديد من الرحلات التي
تم تسجيلها في ذلك القرن ويعتبر ذلك القرن هو ذروة الرحلات المغاربية الحجازية.
وفي حديث الأستاذ فائز البدراني عن الحالة الدينية في
وادي الصفراء في الفترة ( 1250-1300 هـ ) يذكر من بين مفتي المنطقة الشيخ أحمد بن
مبارك والذي زاول القضاء والإفتاء في وادي الصفراء وأورد له فتوى بتاريخ 25 من
شعبان سنة 1285 هـ ([12]) ، وقد أورد الأستاذ فائز البدراني عدد من القضاة المحليين والذي يتعارف
الناس على قبولهم واهليتهم وذكر من أمثلة هؤلاء القضاء : محمد بن حيدر بن عاطف
الصبحي ، والفقيه عبد الرحمن بن بريك بن مدشع الحنيطي ، والفقيه أحمد بن مبارك بن
جار الله الزهيري ، والفقيه عبد المطلوب بن حسين بن عاطف الصبحي ، وعبيد الله بن
عبد الواحد بن عاطف الصبحي ، ومريشيد بن مبارك المهيلمي ([13]).
كما أورد الأستاذ فائز البدراني عدد من أشهر قضاة
العرف في وادي الصفراء ، ومنهم : القاضي علي بن سليمان القرف من الحوازم ، والشريف
عاتق بن نامي من أشراف بدر ويعد من أشهر القضاة العرفيين ، بالإضافة لبعض شيوخ
القبائل مثل الشيخ فهد بن أحمد بن محمود من شيوخ الأحامدة والشيخ سعد بن جزا ([14]).
وقد أورد الأستاذ فائز البدراني عشرات من أسماء
الفقهاء وكتبة الوثائق المحليين في منطقة وادي الصفراء ومن أبناء القبائل وسكان
القرى ومن مشاهيرهم في الفترة بين ( 1250 -1300 هـ ) وذكر من بينهم من الأشراف :
السيد محمد سعيد بن عامر الرديني وأخوه سعد ، والسيد عبد الرحيم بن عمر الرديني ،
والشريف دارج بن حامد وعطية بن عطية الله تابع ذوي سلامة من الأشراف وعوض الشريف
بن هاشم المهدلي والسيد عبد الله بن هاشم الرديني وهؤلاء في بدر والصفراء كما يذكر
البدراني ، وذكر الأستاذ فائز البدراني الفقهاء من قبيلة الظواهرة من حرب : محمد
بن ناهض الظاهري ومساعد بن ناشي ، ومن قبيلة الحوازم : إبراهيم بن حامد أبو فارس
الحازمي ، ومصلح بن محمد الشريوفي الحازمي ، وعلي بن سليمان القرف ، وهو من أشهر
قضاة العرف ، ومن قبيلة صبح : مسلط بن عبد الله الصبحي ، ومحمد بن حيدر بن عبد
الواحد بن عاطف الصبحي ، وآل عاطف من الفقهاء والقضاة الشرعيين ، وعبد الرحيم بن
حامد بكري ومحمد بن عوض العجرود وعبد الله بن عبد الرحمن الطيير وسليمان بن سالم
الصبحي ، ومن قبيلة الحنيطات من حرب : مبيريك بن رشود بن مبارك المهيلمي وإبراهيم
بن صالح بن حمد المهيملي وعبد الرحمن بن بريك بن مدشع ومحمد بن عبد الرحمن بن مدشع
. ومن قبيلة المحاميد : نويمي بن علي بن سليطين الرتوعي وشليان بن سليمان بن معيوف
المحمادي . ومن قبيلة الأحامدة من حرب : حسن بن زيد الأحمدي . ومن بني عمروا أهل
الخيف بوادي الصفراء : محمد بن راجح وعبد الله بن حمد بن فايز بن سليم ، ومحسن بن
درويش ودخيل بن مرشود بن حريز ومطلق بن عوض . ومن قبيلة بني يحي ناجي بن عبد
الرحمن اليحيوي . ومن الأسر والقبائل الأخرى في وادي الصفراء : عتيق بن رفيع من
أهل بدر ، وردة بن حامد ، وسلامة بن علي حسن غرابلي ، وسالم أبو بكر الواقري ،
وإبراهيم بن محمود ، وحسين بن زيد ، ومحمد بن عباس الأقرع ، وسلمان بن عطية الله أبو
قنزعة ، والفقيه عبد الله بن محمد الأكوع ([15]).
ويذكر الأستاذ فائز البدراني أنه ينبغي الإشارة
إلى أن هذه الأعداد الكبيرة من الكتاب قد يشير إلى أن الكتابة كانت من المهن
الجيدة إذ تصل أجرة الكاتب نصف ريال على كتابة الوثيقة الواحدة وهذا مبلغ جيد في
تلك الحقبة ، وقد أرد الأستاذ فائز البدراني وثيقة بتاريخ 22 جمادى التاب في سنة
1288 هـ قال فيها كاتب الوثيقة : ( وكتب وشهد حسن بن بليهش وربع ريال كتابة لحسن )
([16]).
والأستاذ فائز البدراني يقول بعد أن يورد أسماء
هؤلاء الفقهاء والكتاب : ( ولا شك في ان وجود مثل هذه الأعداد الكبيرة من
المتعلمين والكتاب المحليين من أبناء القبائل يرد على أولئك الرحالة والمؤرخين
الذين ركزوا على الجوانب السلبية لأهل المنطقة ورسموا لهم صورة قاتمة تكاد تنحصر
في الغوغاء والجهل وقطع الطريق ، فضلًا عن سكوتهم – غالبًا – عن الأسباب الحقيقية
لسلوك التمرد والعصيان الذي ينجرف إليه أفراد أو قبائل من المنطقة في حالات معينة
) ، ويكمل الأستاذ فائز البدراني فيقول : ( ومما يلاحظ بهذا الصدد ؛ أن أكثر شيوخ
القبائل كانوا يجيدون القراءة والكتابة ، إذ يتضح ذلك من خلال الوثائق المكتوبة
بخطوطهم ، ومنهم على سبيل المثال : الشيخ عباس بن أحمد بن مضيان ، والشيخ عبد الله
بن عبد الرحمن الطيير الصبحي ، والشيخ فهد بن أحمد بن محمود ، والشيخ حذيفة بن سعد
بن جزا الأحمدي ، وغيرهم ممن تقدم إيراد نماذج من مكاتباتهم ) ([17]) .
وقد جمع الأستاذ فائز البدراني العديد من
الوثائق في وادي الصفراء منذ القرن الحادي عشر الهجري وكتب هؤلاء الوثائق العديد
من الكتاب من أبناء وادي الصفراء وسوف نذكره في اخر حديثنا هنا .
ومع هذا الكم الكبير من أعداد القضاة والفقهاء
والكتاب والمتعلمين ربما قد أوجد أيضًا عددًا اخر من طلاب العلم الذين يرتحلون من
المنطقة من أجل العلم ، ومن أمثلة هؤلاء ما يرد في ترجمة عبد الحكم بن عبد الله
العثماني الديباج ، وهو عبد الحكم بن محمد بن عبد الله
العثماني الديباج المدني الشافعي المالكي وهو من عائلة الديباج الذين ينسبون
لعثمان بن عفان وقد سكنوا في بدر منذ القرون الهجرية الأولى ، وقد ولد عبد الحكم
الديباج بقرية بدر سنة 1289 هـ ونشأ بالمدينة صغيرًا وطلب الحديث ورحل إلى مصر
ودمشق وحلب والقدس وتوفي بالمدينة المنورة في رجب سنة 1354 هـ ([18]).
([3]) انظر : المجروحين لابن حبان ،
المحقق : حمدي عبد المجيد السلفي ، ط1 ( 1420هـ / 2000م ، دار الصميعي للنشر
والتوزيع ، الرياض ) ، ج 2 ص 67 .
([6]) انظر : ابن حبان ، المجروحين، ج
12 ص 483 ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، ط1 ( 1420هـ ، دار الصميعي للنشر
والتوزيع ، الرياض ) .
([12]) انظر : فائز بن موسى البدراني ،
الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث
عشر الهجري ، ص 238 .
([13]) انظر : فائز بن موسى البدراني ،
الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث
عشر الهجري ، ص 240 .
([14]) انظر : فائز بن موسى البدراني ،
الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث
عشر الهجري ، ص 244 .
([15]) انظر : فائز بن موسى البدراني ،
الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث
عشر الهجري ، ص 256-259.
([16]) انظر : فائز بن موسى البدراني ،
الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث
عشر الهجري ، ص 271 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق