العين ( عين بدر )
عين بدر هي العين المجاورة لمسجد
العريش وهي عين بدر الأشهر والتي امتدت طوال تاريخ بدر حتى سنة 1401 هـ حيث انقطعت في هذا التاريخ بسبب انقطاع مجراها .
تاريخ العين في كتب الرحلات
وأول من ذكرها تقريبًا هو المقدسي حيث وصفها
بأنها ( عين النبي ‘ ) ، يقول المقدسي
البشاري في حديثه عن بدر : ( وثمّ عين النبيّ ‘ وموضع الوقعة ومساجد بناها ملوك مصر ) ([1]) ، وسوف تري فيما بعد أن البعض يرجع هذه العيون والدبول إلى العصر الأموي
وفي اعتقادي أن هذه العيون ربما أجريت قبل ذلك وذلك في عصر الخلفاء الراشدين وفي
خلافة عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان فقد تذكر بعض المصادر اهتمام علي بن أبي
طالب ببناء العيون وذلك قبل أن يلي الخلافة .
ألا أن عاتق البلادي رحمه الله يذكر
في مجلة العرب وفي تعليقه على عين بدر وأنها نسبت إلى ابن قريش يقول : ( المعروف
أن ( بدراً ) التي وقعت فيها المعركة المشهورة ليست عيناً ، وإنما كانت بئراً .
أما العين فلم تظهر إلا بعد ذلك على يد بعض العلويين وأهل وادي الصفراء يرون قصة
خروجها ) ([2]).
وقد تحدثنا في حديثنا عن الرحلات
التي مرت ببدر عن هذه العين كإشارة صاحب المناسك ([3]) لها وعن حديث المقدسي في القرن الرابع عنها وصفه لها بأنها " عين
النبي " ‘ ، وما
ذكره ابن جبير بأنها عين فوارة وكذلك ابن بطوطة ، وما ذكره العبدري من ان ماءها
ماء معين وطيب ووصف البلوي في القرن الثامن بأنها عذبة ، وزعم الرحالة التركي محمد أديب بن محمد درويش أن الرسول صلى الله
عليه وسلم وضع يديه الكريمتين ففاضت بالماء ، ويذكر الجزيري أن ببدر عيون تجري بين
حدائق ونخيل وأن ببدر بركة كبيرة ومادتها من عين هناك ، وما ذكر أوليا جلبي عن جامع
( ويقصد به العريش ) تتدفق مياه عين الزرقاء في فناءه وما ذكره الدرعي أن بدر ذات
ماء عذب ، وما نقله ابن الطيب الفاسي عن السمهودي عن عين بدر المجاورة للعريش ،
وما ذكره الوزير الشرقي عن ماء بدر معين عذب ، وما ذكره المنالي الزبادي عن أن ماء
بدر عذب زلال نمير وأورد ما ذكره الجزيري عن البركة التي تستمد ماءها من عين بدر ،
وقد تحدث عن عين بدر أيضاً الحضيكي وابن عبد السلام الذي ذكر أن على باب مسجد
الغمامة عين عظيمة عذبة مع سخونة تبرد ، مع أن هذا يخالف ما كان يعرف في بدر من أن
العين كانت مرة وقد ذكر الأستاذ إبراهيم العياشي أن ماء العين مر المذاق وذكر أن
مياه هذه الرقعة تتفاوت في طعمها ، وأنها تكتسب المرارة من طبيعة رمال الكثبان رغم
وجودها في منطقة أودية عذبة ([4]).
وقد تحدث
بوركهارت عن النهير الصغير ويقصد به العين وذكر أنه ينبع من الجبال الغريبة وقد
وصفه بأنه فاتر ، وأنه في المساء جاءت المئات من إبل البدو لتسقي من النهير (
العين ) الموجود في بدر وكانت الإبل بصحبة النساء ، وذكر الحامدي أنها عين جارية
نافعة ، وذكر عاتق البلدي ان في بدر عين جارية عليها
زراعة حسنة وهذه العين هي عين بدر المجاورة للعريش وهي أخر
العيون التي بقيت في بدر حتى سنة 1399 هـ أو سنة 1401 هـ حيث انقطعت بعدها .
وقد ذكرنا أن الرحالة كالبلوي والعياشي والدرعي وابن
عبد السلام والورثيلاني وابن الطيب الفاسي والمنالي عين بدر ووصفوها بانه عين عذبة
، إلا المكناسي الذي ذكر أن ماء بدر رديء ، وهو ما ينطبق مع ما ذكره أهل بدر ممن
لحق بهذه العين فقد وصفوها بالملوحة.
وصف عين بدر عند الباحثين
يقول الأستاذ محمد صالح البليهشي :
( كانت عين بدر من العيون الهامة التي كانت تسقى المزارع المكتظة بالنخيل والليمون
وكافة أنواع الخضروات كبقية قرى وادي الصفراء التي كانت كل قرية منه بعينها
الجارية .
وكانت العيون تسير في ( دبول )
مبنية في باطن الأرض لمسافات بعيدة وعميقة في الوقت نفسه ولا يعرف زمن تسييرها حيث
لم أجد خلال بحوثي واطلاعي على الزمن الذي بنيت فيه وأجريت تلك العيون لعدم اهتمام
الناس وجهلهم في تلك الأزمان غير أن العلامة الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه
عن آثار المدينة المنورة يذكر ان تلك العيون قد أجريت في العهد الأموي عندما
استقرت الأمور لبني أمية اتجه الناس إلى الأرض في كل جهات الدولة الأموية آنذاك
وحفرت مجاري العيون ( الدبول ) التي تسير فيها العيون وأجريت إلى المناطق المراد
زراعتها وفلاحتها .
وكان ببدر أكثر من عين جارية
إحداهما اندثرت من زمن وهي التي كانت تسقي خيف إدمان وهو الخيف الذي في جنوب
الوادي والذي كانت عينه تسير في دبول فخارية حتى تسقي ميناء الجار كما مر ذكره في
أقوال المرخين سابقًا .
أما عين بدر التي بقيت جارية حتى وقت
قريب ولم تنقطع إلا في السنوات الأخيرة والتي كانت تسقي مزارع بدر بكاملها ونمت
عليها أشجار النخيل طوال القرون الماضية فهي عين ثجاجة كبيرة لها تاريخ طويل
وتعارف الناس على تنظيم خاص بها وتقنين لمسارها بحيث يستطيع كل صاحب حق أن يأخذ
حقه كاملا دون حيف أو ظلم أو زيادة أو نقصان .
وهذا التقنين وذلك التنظيم ليس
لعين بدر بل هو نظام دقيق لكل العيون التي كانت تسقي الخيوف المتناثرة على جنبات
الأودية في وادي الصفراء وفي غيره .. الخ ) ([5]).
ويقول الأستاذ عبد الحافظ القريقري
: ( عين بدر : أصلها من جبل أسمر بشعيب الحسكة ؛ لها عدة فتحات الأولى الشريعة عند
قلعة الأتراك ؛ حول مركز الشرطة اليوم ؛ والثانية بركة السوق ؛ والثالثة بركة مسجد
العريش إلى الشمال قليلا عنه .) ([6]) ، ومثل هذا يذكر الدكتور أحمد النعماني فيذكر أن مجرى هذه العين ينحدر من
جبل السمراء بأعلى الحسكة حتى يدخل في مجرى وادي الصفراء ثم يستمر مع الوادي حتى
يجتاز بين جبلي الصدمة الشمالية والجنوبية وبعد ذلك يدخل في بدر وقبل الشريعة ،
وذكر ان لهذه العين أربع فتحات يستفاد من خلالها للشرب والاغتسال والوضوء إحداهما
في القلعة التركية التي أزيلت اليوم وبنى مكانها مبنى الشرطة حيث قيل توجد فتحة من
القلعة حتى هذه الفتحة تحت الأرض يستقى منها الماء لمن بالقلعة ، والفتحة الثانية
عند مسجد الشربتلي ، والفتحة الثالثة وسط السوق اليوم عند النخلات ، يليها الفتحة
ما قبل الشريعة ، ثم بعد ذلك الشريعة التي منها يخرج ماء العين على وجه الأرض ويسقى
الناس والمزارع عند منخفض العطن والعطين شمال مسجد العريش مباشرة لا يفصل بينهما
إلا الطريق المزفت اليوم ([7]).
ويقول الوالد مفرج السيد ¬ : ( عندما نقول العين فنحن نقصد بذلك عين بدر ويسميها البعض الشريعة وهي
عبارة عن مورد مكشوف وغير مغطى يشرب ويغتسل منه الناس وترده الإبل والغنم .
والعين يحدها من الشمال العطن ومن الجنوب العطين ويقع بالقرب منها بجهة
الغرب مسجد العريش وبجهة الشرق غير بعيد عنها مسجد فارس وهو الآن غير موجود .
وللعين قصبتان واحده في جهة الشرق وتمتد حتى تصل إلى مراويها في الجبال
والأخرى جهة الغرب وتنفذ إلى النخل ، وهناك فتحه من العين تحت مسجد فارس وفتحتان أخريان
عند مسجد السوق أو مسجد الشريف وهو المعروف الآن بمسجد القرعاوي ، واحده من هذه
الفتحات للرجال والأخرى للنساء ، ويفصل بينهما جدار عال .
وللعين فُقُر جمع فقير بعضها مكشوف للسقيا وبعضها مغطى كغرف التفتيش وهذه
الفقر المغطاه تفتح عندما يضعف سير العين بسبب انهيال بعض التراب أو الحجارة من
سقفها في المجرى أو تسرب ماء السيل لداخلها ودخول الطين أو القش الذي يحمله السيل
لداخلها وسد بعض المجاري .
وقد يكلف عمال العين بفتح هذه الفُقُر والعمل بها لتنظيف المجاري منها وفسح
المرور للماء وقد ذهب ضحية هذه الفُقُر بسبب عدم وجود الأكسجين بعض الأشخاص ومنهم
في مره واحده الشريف محمد عوض بن حمود آل نامي وناهر الصبحي وعايد الصبحي .
ولقصبة العين أيد تتفرق منها وقد يضيع فيها بعض العمال فقد ذكروا أن مولداً
للخزاعي قد ضاع فيها وبقي داخل هذه الأيدي عدة أيام وجاء العمال ليعملوا فسمعوا
طقاً في الحجر من داخل القصبة فأجابوه بمثل ذلك وتكرر الطق فاخبروا أهل العين أو
المسؤولين عنها بذلك فحضر جمع من الناس وكرروا الطق فأتاهم مثيله وقاموا بالحفر في
نفس الموضع حتى وجدوا هذا المولد وأخرجوه وانتشرت البشرى في سوق بدر .
ومن ناحية الغرب كانت هناك فتحه في داخل مسجد العريش بها مورد للماء . ) ([8]).
حصص ووجبات عين بدر
ومن المعروف أن العين تقسم إلى حصص مائية زمنية تسمى كل حصة بالوجبة وجمعها
( وُجَاب ) والهدف منها توزيع الماء متناهية على مالكي تلك الحصص من المزارعين
وأصحاب الأملاك ، وتقسم الوجبات إلى مجموعتين نهارية وليلة فتبدأ وجبة النهار مع
طلوع الشمس إلى غروبها ووجبة الليل من غروبها إلى طلوعها وتأخذ الوجبات أسماء خاصة
بها من أجل معرفة ملكيات تلك الحصص ، وقد تأخذ أسماء أيام الأسبوع ([9]).
وينقل الأستاذ محمد صالح البليهشي
ما كتبه الأستاذ الشريف عطية الله بن نويمي ¬ عن نظام تقسيم مياه العيون في بدر ( الوجبات ) ، يقول : ( كل يوم من أيام
الأسبوع عبارة عن وجبتين عن كل يوم وليلة وتبدأ يوم الخميس أي أن الماء يوزع على
سبعة أيام كل يوم بوجبتين الليل والنهار لكل منهما وجبة كاملة مستقلة عن الأخرى ،
وهذه مملوكة من قديم الزمان لأصحابها ولا يمكن التصرف إلا عن طريق مالكها فله حق
البيع من الماء الذي يملكه في إحدى الوجبات والوجبة لها مالك لقيادتها وتصريفها
لأصحاب الحقوق لأن الساعة الواحدة 24 قيراطا والوجبة 12 ساعة ومنهم من يمتلك ساعات
ومنهم من يمتلك قراريط ولكن كل يأخذ نصيبه المتعارف عليه عن طريق الكيل ( بالساعة
المائية ) وهي عبارة عن ( طاسة مفتوحة من قاعتها السفلى بثقب صغير يدخل الماء من
خلاله بعد وضع الطاسة في قدر كبير مملوء بالماء ويندفع من أسفل الطاسة وهي متعددة
للوجبات ويقوم أحطهم بالكيل على الآخر ويعطيه الماء الذي يملكه ، مثال ذلك ما يلي
: يجلس الكيال طوال الليل يحسب عدد الطيس التي تغطس داخل القدر ، فمثلًا لو وجدها
60 طاسة لأصبحت الساعة الواحدة بخمس طيس . وبموجب هذا النظام الجميل الفريد من
نوعه المتفق عليه كل يأخذ نصيبه وحقه المستحق وهناك وجبتان اسمهما الزيادة ليلًا
ونهارًا على سبعة أيام سابقة ذكرناها . هاتان الوجبتان لهما نظام خاص حيث يجلس
رئيس الخيف في يوم معين من السنة وهو يوم 6 صفر من كل سنة من بعد صلاة العصر حتى
آذان المغرب ، ويحضر هذه الجلسة أصحاب النخيل الذين لا يوجد لهم ماء مملوك والكل
يضع فلوسا بدون تحديد عند رئيس الخيف وأمينه ثم تجمع في اليوم الثاني جميع المبالغ
التي دفعت بالأمس وتقسم حصيلة المبلغ على 24 ساعة ( ليل + نهار ) ويعطى كل شخص على
قدر دفعه من النقود ، وهذا الماء يملكه لمدة سنة كاملة وهذا المبلغ يسمى الزيادة
ويكون محرر ومقدر عند رئيس الخيف وأمينه يصرف منه لإصلاح المجرى الرئيسي للعين متى
ما دعت الحاجة لذلك ، وفي حالة عدم الحاجة إليه يرحل إلى السنة القادمة كفائض يضاف
إليه زيادة العام الجديد وتسمى هذه العملية ( خزنة الخيف ) وفي حالة الحاجة إلى
صرف المبلغ الذي يوجد بالخزينة بسبب إصلاح المجرى وأصبح جميع ما في الخزنة مصروف
يجمع رئيس الخيف وأمينه ملاك الخيف أي أصحاب المياه المملوكة ويفرق على الساعة
والقيراط مبلغًا معلومًا يكون عائده كافيًا لإصلاح الخراب الطارئ الذي ينشأ عادة
من جريان السيول أو خلافها .
أما الزيادة اليوم والليلة الزائدة
على الوجبات المملوكة فقد ذكرنا أن الوجبات سابقًا تبدأ بالخميس ولكن عندما تنتهي
سبعة أيام وينتهي بالأخص يوم الأربعاء تبدأ الزيادة مما يجعل يوم الخميس صبح يوم
الجمعة مثلًا وهكذا حتى تصبح وجبة الخميس بيوم الاثنين والثلاثاء وغيرهم إلى أن
يعود بعد وقت بقدر شهرين إلى سابق عهده الخميس بالخميس وهذا بسبب اليوم الزائد
الذي سميناه بالزيادة) ([10]).
ويقول الوالد مفرج السيد ¬ : ( وللعين سبع وجبات بعدد أيام الأسبوع ، كل وجبه أربع وعشرون ساعة ، ست
وجبات خاصة بالنخل ووجبة زائدة ولها يوم في السنة يسمى يوم الزيادة يجتمع فيه رئيس
العين وكان في وقت ادراكنا الشريف عاتق بن أحمد سالم بن نامي ، وأمين السر الشريف
عتيق ابن إبراهيم وكل من له شأن في النخل لبيع ساعات يوم الزيادة فكل من أراد أن
يشتري يأتي بمبلغ من المال معه ويدفعه لأمين السر ويسجل اسمه ومبلغه دون أن يرى
ذلك أي شخص أخر ، وفي وقت محدد من النهار يقفل محضر الاكتتاب ويجمع المبلغ الحاصل
ويعد ثم يقسم على أربع وعشرين ساعة فإذا أصبحت قيمته الساعة خمسين ريالاً ودفع
بعضهم مائتي ريال يكون له أربع ساعات وهكذا دواليك .
وعند السقيا يكيلون الماء بالساعة وهي عبارة عن قدر من النحاس مملوء وطاسه
صغيره مخرومة من أسفلها خرماً صغيراً توضع في هذا القدر فإذا امتلأت ونزلت في داخل
القدر يعتبر ساعه ويجلس لكيل الماء صاحب البلاد التي تشرب ويجلس معه صاحب البلاد
التي سوف تشرب بعدها فإذا استوفى صاحب البلاد التي تشرب أولاً سلم القدر والطاسة
للذي بعده فيكيل الماء ويحضر معه من يستقي بعدها وهكذا .
ويعقدون عدد الساعات بسعفة نخل خضراء ، وعندما يدخل السيل النخل ويرويها
يستغني الناس عن السقيا عن طريق العين فيفتحون للعين فتحه في أخر الخيف لتذهب إلى
الفضاء حتى يحتاجونها ) ([11]).
ويذكر الدكتور حمود أن عدد الوجبات تختلف من عين لأخرى ، لكن لكل خيف وجبة
حرة يتنافس المحتاجون للماء لتملكها لمدة عام كامل فقط ، تسمى الزيادة ، وهناك يوم
معروف في السنة للتنافس في الحصول على مياه هذه الوجبة بأسلوب أشبه بأسلوب البورصة
، فلا يعلم المتنافسون كم دفع كل منهم عدا أمي الصندوق ، والمبلغ المتحصل من ذلك
يصرف في صيانة مجرى العين لمدة عام ، ثم تجدد المنافسة ، ويذكر الدكتور حمود
الشريف أنه ليس هناك سلطة تشرف على حصول أي شخص على ما يملك من بل ، بل لكل وجبة
أو نصف وجبة أسلوب يسمى ( عصم ) فصاحب هذا العصم يسهر ويقف على التوزيع والتوجيه ،
فيعر كل مالك ببدء حصته من الماء ونهايتها ، مع أنه لا توجد ساعة زمنية في ذلك
الزمان ، لكن التوزيع يتم بمسمى يسمى الكيل وليس الساعة الزمنية ، وبطريقة تعرف
حينذاك باسم الطاسة ؛ وهي عبارة عن إناء كبير نوعاً ما يملاً بالماء ، ويوضع فيه
إناء نحاس مثقوب من أسفله ، فثقل النحاس على الماء يسمح بصعوده من خلال ذلك الصقب
حتى يمتلئ ذلك الإناء ، ويغرق في الإناء الكبير ، وهذا يمثل وحدة زمنية ، وهذه
الطريقة تطبق في حالة ضعف العين . أما في حالة قوتها فالأمر في سعة ، وكل صاحب ماء
يكفيه ، ويزيد عن حاجته ، ويختلف الملاك في عدد ما يملكون من هذه الوحدات ، وبعض
الناس لا يحتاج إلى من يكيل عليه ، لأنه يملك نصف وجبة ، أو وجبة أو أكثر ( مكفية
الطاسة ) ، أي لا يخالطه أحد ، وما يزيد من وقت هذه الوجبة عن المستحقين أو الملاك
يستفيد منه صاحب العصم مقابل ملاحظته وسهره ، فيستعين بالسمار والأصدقاء حتى
يعينوه على قطع هذه الأوقات ، وغالباً لا يزيدون عن واحد أو اثنين حتى لا يشغلوه
عن مهمته التي تقتضي اليقظة والدقة ، والأمانة ([12]) .
وقد تحدث الأستاذ عبد العزيز الحازمي عن العيون وهو وإن كان حديثة لا يتناول
عين بدر ولكن يتناول العيون بشكل عام في الصفراء إلا أننا أحببنا أن نقل ما ذكره للاطلاع
عن نظام العيون خاصة وأنها قد اندثرت تغريبًا في عموم وادي الصفراء ، يقول الحازمي
: ( أما العيون فهي كثيرة ، منها ما قد اندرس مع الزمن ومنها ما زال باقيًا ،
والعين تبدأ من فلج طويل قادم من أحد الأودية ، ولهذا الفلج طرق هندسية في غاية
الدقة فهو مبني بالحجارة مادة أخرى طينية صلبة . وبين المسافة والأخرى نجد فتحة
مبنية بالحجارة ومغطاة بحجر واحد او حجرين لكي لا تتسرب منها الاتربة ، وعلى هذه
الفتحة علامة على سطح الأرض تميزها . ويقال للفتحة " خرزة " وتتكون في
شكل حفرة طويلة تسمى " فقير " ويمتد الفلج من ( 2 إلى 3 ) كيلو مترات
فأكثر وكل ذلك تحت سطح الأرض حيث ينتهي بالشريعة التي تظهر كفتحة قريبة من سطح
الأرض تعتبر مصب العين أو إلى نبع ثم تمتد العين في القرية في مجرى يقال له "
الدبل " وهنا يتم توزيع مياه العين منه في عدد من القنوات المكشوفة . والقرية
مقسمة من الدبل إلى قنوات هي : السبت ، الأحد ، الاثنين ، الثلاثاء الأربعاء ،
الخميس ، الجمعة على عدد أيام الأسبوع ويقال لكل ( 12 ) ساعة : وجبة ، ويُقسم من
هذه القناة في ذلك اليوم إلى بلدان وأحواض ، فالبلاد كبيرة المساحة والحوض أقل
منها كثيرًا ، وتوزع الساعات على المزارع حسب ساعة مائية ، وهي عبارة عن قدر يملؤه
بالماء وطاسة صغيرة مثقوبة من قعرها تُوضع في القدر ، ويبدأ الماء في الطاسة
الصغيرة ويتسرب إليها من الثقب حتى تمتلئ ويغمرها الماء ، ثم يعيدها وهكذا .
أما الذي لديه وجبة كاملة فتعتبر بلاده كبيرة ، وتوزع المياه فيها داخل
مشاقيق ( وهي سوقٍ يٌزرع على جوانيها النخل والليمون والحناء وغيرها ) وكل بلاد
تحاط بسياج من جريد النخل ومن الكثبان . وفي هذه القرى بيوت من الطين . وهذه
البيوت تكون بالقرب من سفح جبل قريب من القرية بعيدًا عن السيول , وكل مجموعة من
هذه البيوت تسمى " حلَّة "وبينها مطاريق مفردها " مطراق " وهي
الطرق التي يسلكونها للتنقل بين الحلل ، ولكل بلاد زبارة تكونت من مخلفات البلاد
من الأتربة التي تجلبها الرياح والسيول ثم تُجمع في مكان واحد في طرف المزرعة ومساء
الماء بين مشاقيق وبين كثبان من الأتربة تسمى " مروز " لأن هذه المشاقيق
يتم رفع الأتربة منها إمَّام بواسطة الأيادي ويستخدمون " النفية " من
سعف النخل أو بواسطة الحمير ) ([13]).
من قصص عين بدر
ومن القصص التي يرويها الوالد ¬ عن هذه العين وما جرى فيها من حكايات وخرافات وأساطير تبين حياة الناس في
ذلك العصر ، يقول الوالد مفرج السيد ¬ : ( ومن القصص التي تحاك حول العين وما جاورها ، لقد كان من عادة أهل خيف
النخل أن يذبحوا بقره في نفس الخيف في كل سنة فيحضر المشرف على العين والجزارون
ومن رغب في الذهاب معهم ويطلقون البقرة في الخيف فتمشي على كيفها ثم تبرك وفي ذلك
المحل يذبحونها ويوزعون لحمها على المحتاجين .
ويقال أن العين بعد ذبح هذه البقرة يزيد منسوبها ، وذكروا انهم ذبحوا في
إحدى السنين ثوراً ذكراً ولم يزد منسوب الماء ، ويقال أن شخصاً ذهب يغتسل في
الفقير فوجد شخصاً يسد الماء فقال له : من أنت ؟ ، قال : أنا شافان ، ساكن الفقير
، فقال الرجل : إن العين ضعيفة ، فقال شافان : أخبر أهل البلد أن يذبحوا العادة ،
فقال الرجل : لقد ذبحناها ، فقال شافان : أنا ثور وتذبحون لي ثوراً ، فقل للناس
يذبحوا بقرة ، وهذا الماء الذي يصل لكم يأتي من بين أصابعي .
وعاد الرجل وأخبر أهل الخيف بذلك فذبحوا البقرة ، وجرى الماء كعادته ، وهذه
من وساوس الشياطين للناس الجاهلين ، وقد ذكرتها هنا للإفصاح عن عقلية الناس في تلك
العصور ، والحمد لله الآن انتشر العلم وتنورت العقول وذهبت كل تلك الخزعبلات .
ومن القصص التي تحاك حول العين وما حولها من جن وخلافه ، فقد ذكروا أن
النساء في كل عيد يخرجن إلى محل يسمى شعيب البنات ويلعبن هناك وعندما يعدن يعرجن
على الفقير وهن يقصدن زيارة شافان فيقلن :
يا شافان يا بو القلايد
يا شافان جيناك نعايد
وقد أوردت هذه القصة في بحثي عن النخلة .
ويروى أن رجلاً أتى في الهزيع الأخير من الليل ومعه زفة لجلب الماء من فتحة
مسجد فارس فوجد رجلاً يلتحف بملابس بيضاء وقد امتدت أرجله بطول المدخل فوقف عنده
وقال له : دستورك يا عم ، فكف رجليه ، ودخل الرجل واغتسل وملأ زفته ، وعندما عاد
وجد الرجل قد مد رجليه مرة أخرى فقال له : دستورك يا عم ، فكفها وعبر الرجل ومضى
في سبيل حاله ويقول الناس إن هذا جني.
وذكروا أن امرأة جلست تغتسل في هذا المورد ورأت في الماء علبة من الصفيح
فمدت يدها لتأخذها وقبل أن تأخذها امتدت يد من الماء مزينه باللون الأزرق وأخذت
العلبة ودخلت في القصبة .
ويقول عيد بن بريك المولد ( أبو حبل ) في قصصه التي يمزجها بالفكاهة
والدعابة قال عيد : شربت أرض القمعة وهي توجد بالشمال من بدر خلف دف علي وذهب
الحمار إلى هناك فجلس يأكل من العشب حتى سمن وجاء في فجر يوم الجمعة ليشرب فوجد
الديك على جدر العطن وبعد أن شرب قال له الديك : من أين جئت يا أبا داهس ، وأراك
مستبدناً فقال الحمار : اذكر ربك يا أبا دويكه ، فقال الديك : ألف من ذكره ، قال
الحمار : أنا أقيم في القمعة ، وهناك الخير فإذا أردت أن تذهب معي انتظرني في
الأسبوع القادم وانا أحملك على ظهري .
وذهب الحمار وعاد بعد أسبوع ووجد الديك في انتظاره وقفز على ظهره ، وفي
الطريق قال الحمار للديك : لا تؤذن فتجلب لنا الأذى ، قال الديك : ان شاء الله ،
وعندما وصلا إلى القمعة وجدا الخير وافراً ، وعند المغرب طلع الديك على قصن شجره
وأذن ، فأتى له الكلب وقال له : لقد نورت الديرة فانزل حتى نتم الفريضة ، فاهتز
الديك من الخوف وسقط وذهب يجري والكلب يطرده حتى وصلوا إلى بدر من الشرق وعندما
وصلوا مبنى الشرشورة لحق الكلب بالديك فقفز الديك إلى سطح المبنى ولكن الكلب لحق
به ومسك بذيله فنتف ريش ذيله وعندما وصل الديك إلى السطح التفت فرأى ذيله مقطوعاً
فقال : الحمد لله ذنبي ولا كلي ، ونجا وكأنه لم ينج .
وذكروا أن امرأة وردت العين مع جاره لها ونزلت الماء تغتسل ووضعت ملابس
أطفالها بجنب العين ورأت جارتها امرأة تخرج من العطن وتحمل الملابس وتذهب بها
فقالت لجارتها : هيا مشينا ، وخرجت المرأة من الماء وبحثت عن ملابس أطفالها
لتغسلها فقالت لها رفيقتها : يمكن أنك نسيتها ، فقالت : يمكن ، وعادتا إلى بيتيهما
، وفي الصباح ذهبت المرأة إلى جارتها أم الأطفال ووجدتها تفتش عن ملابس أطفالها ،
فقالت : لا تفتشي عنها فإن الدجيرة سرقتها ، وأرسلت المرأة في النهار بعض ابنائها
إلى العطن للبحث عن الملابس ولكنهم وجدوها قد قطعت قطعاً صغيره ونثرت في ارجاء
العطن .
ويروي بعض الناس انهم يرون في العطن عندما يردون العين وخاصة من النساء
جريدة من النخل مشتعلة بالنار تدور في العطن .
ويروى أن أحد الرجال الحجابين على نساءهم لا يترك امرأته ترد العين إلا بعد
أن تكف أرجل المارة وفي مره من المرات خرجت زوجته وارده في هذا الوقت ، وعندما
وصلت إلى العين وجدت امرأة تغتسل في داخل القصبة وبدت هي تملأ قربتها ودنت منها
المرأة التي تغتسل ورأت عيونها ليست كعيون البشر وأخذت منها القربة وبدأت تملؤها
بسرعه وعندما امتلأت وضعتها على ظهرها وهي تغمغم وكأنها بكماء وتشير لها أن تذهب
بسرعة ، وعندما تحركت سمعت صوت العبد المسلسل الذي تسمع عنه وهو يجري خلفها وذهبت
بسرعة وعندما دخلت بيتها كان قد وقف عند الباب ولكنه رجع ، وسقطت هي مغشياً عليها
ورأها زوجها وبدأ يقرأ عليها ويرشها بالماء حتى أفاقت ، وأخبرته بالقصة وأصبح بعد
ذلك يذهب معها كلما أرادت الذهب إلى العين .) ([14]).
وقد قل جريان هذه العين في أخر القرن الرابع عشر الهجري وانقطعت لفترة ثم
عادت من جديد حتى بداية القرن الخامس عشر فانقطعت تمامًا والبعض يذكر تاريخ انقطاعها
في سنة 1401 هـ .